الخطيب الشربيني

308

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الخطيب المغالي في ذلك لاغيا نعوذ بالله من غربة الإسلام ، ومن نكد الأيام وقد خاطب الله تعالى المؤمنين بالجمعة دون الكافرين تشريفا لهم وتكريما ، فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ثم خصه بالنداء وإن كان قد دخل في عموم قوله تعالى : وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ليدل على وجوبه وتأكد فرضه . وقال بعض العلماء : كون الصلاة الجمعة ههنا معلوم بالإجماع لا من نفس اللفظ ، وقال ابن العربي : وعندي إنه معلوم من نفس اللفظ بنكتة ، وهي قوله تعالى : مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وذلك يفيده لأن النداء الذي يختص بذلك اليوم هو نداء تلك الصلاة ، وأما غيرها فهو عام في سائر الأيام ، ولو لم يكن المراد به نداء الجمعة لما كان لتخصيصه بها وإضافته إليها معنى فلا فائدة فيه . واختلف في معنى قوله تعالى : فَاسْعَوْا أي : لتكونوا أولياء الله ولا تتهاونوا في ذلك . فقال الحسن : والله ما هو سعي على الأقدام ، ولكن سعي بالقلوب والنية ، وقال الجمهور : السعي : العمل لقوله تعالى : وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ [ الإسراء : 19 ] كقوله تعالى : إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [ الليل : 4 ] وقوله تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [ النجم : 39 ] وعن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ، ولكن أئتوها تمشون وعليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا » « 1 » واختلفوا أيضا : في معنى قوله تعالى : إِلى ذِكْرِ اللَّهِ أي : الملك الأعظم ، فقال سعيد بن المسيب : هو موعظة الإمام ، وقال غيره : الخطبة والصلاة المذكرة بالملك الأعظم الذي من انقطع عن خدمته هلك . ولما أمر بالمبادرة إلى تجارة الآخرة قال تعالى ناهيا عن تجارة الدنيا التي تعوق عن الجمعة وَذَرُوا الْبَيْعَ أي : اتركوا البيع والشراء ؛ لأن اسم البيع يتناولهما جميعا ، وإنما يحرم البيع والشراء عند الأذان الثاني . وقال الزهري : عند خروج الإمام ، وقال الضحاك : إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء . وإنما خص البيع من بين الأمور الشاغلة عن ذكر الله تعالى ، لأن يوم الجمعة يوم تهبط الناس فيه من بواديهم وقراهم ، وينصبون إلى المصر من كل أوب ووقت هبوطهم واجتماعهم ، واختصاص الأسواق إذا انتفخ النهار وتعالى الضحى ، ودنا وقت الظهيرة وحينئذ تنجز التجارة ويتكاثر البيع والشراء ، فلما كان ذلك الوقت مظنة للذهول بالبيع عن ذكر الله والمضي إلى المسجد قيل : بادروا تجارة الآخرة ، واتركوا تجارة الدنيا ، واسعوا إلى ذكر الله ذلِكُمْ أي : الأمر العالي الرتبة من فعل السعي ، وترك الاشتغال بالدنيا خَيْرٌ لَكُمْ لأن الأمر الذي أمركم به الذي له الأمر كله ، وهو يريد تطهيركم في أديانكم وأبدانكم وأموالكم وبيده إسعادكم وإشقاؤكم . فإن قيل : إذا كان البيع في هذا الوقت محرما فهل هو فاسد ؟ . أجيب : بأن عامة العلماء على أن ذلك لا يوجب فساد البيع ، قالوا : لأن البيع لم يحرم لعينه ، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة ، والثوب المغصوب ، والوضوء بماء مغصوب ، وعن بعض الناس أنه فاسد . وزاد في الحث على ذلك بقوله تعالى : إِنْ كُنْتُمْ أي : بما هو لكم كالجبلة تَعْلَمُونَ أي : يتجدد لكم علم في يوم من الأيام

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجمعة باب 18 ، ومسلم في المساجد حديث 602 ، وأبو داود في الصلاة باب 54 ، والترمذي في الصلاة حديث 327 ، والنسائي في الإمامة حديث 861 ، وابن ماجة في المساجد حديث 775 ، وأحمد في المسند 2 / 237 ، 238 ، 239 ، 270 ، 382 ، 427 ، 452 ، 460 ، 529 .