الخطيب الشربيني

294

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

فإن قيل : بم انتصب مصدقا ومبشرا ، أبما في الرسول من معنى الإرسال أم بإليكم ؟ . أجيب : بأنه بمعنى الإرسال لأن إليكم صلة للرسول فلا يجوز أن يعمل شيئا لأن حروف الجر لا تعمل بأنفسها ، ولكن بما فيها من معنى الفعل ، فإذا وقعت صلات لم تتضمن معنى فعل فمن أين تعمل . وعن كعب : أن الحواريين قالوا لعيسى : يا رسول الله هل بعدنا من أمة ؟ قال : نعم أمة أحمد حكماء علماء أبرار أتقياء ، كأنهم من الفقه أنبياء ، يرضون من الله باليسير من الرزق ويرضى الله منهم باليسير من العمل . وعن حبيش بن مطعم قال : « قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : لي خمسة أسماء : أنا محمد ، وأنا أحمد ، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر ، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي ، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي » « 1 » وقد سماه الله تعالى رؤوفا ورحيما . وروي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « اسمي في التوراة أحيد لأني أحيد أمتي عن النار ، واسمي في الزبور الماحي محى الله بي عبدة الأوثان ، واسمي في الإنجيل أحمد ، وفي القرآن محمد لأني محمود في أهل السماء والأرض » « 2 » بل ذكر بعض العلماء أنه له ألف اسم . قال البغوي : والألف في أحمد للمبالغة في الحمد ، وله وجهان : أحدهما : أنه مبالغة من الفاعل ، أي : ومعناه أن الأنبياء حمادون لله تعالى ، وهو أكثر حمدا من غيره . والثاني : أنه مبالغة من المفعول ، أي : ومعناه أن الأنبياء كلهم محمودون لما فيهم من الخصال الحميدة ، وهو أكثر مبالغة وأجمع للفضائل والمحاسن والأخلاق التي يحمد بها ا . ه . وعلى كلا الوجهين منعه من الصرف للعلمية والوزن الغالب ، إلا أنه على الاحتمال الأول يمتنع معرفة وينصرف نكرة ، وعلى الثاني يمتنع تعريفا وتنكيرا لأنه يخلف العلمية الصفة ، وإذا نكر بعد كونه علما جرى فيه خلاف سيبويه والأخفش ، وهي مسألة مشهورة بين النحاة . وأنشد حسان يمدحه وصرفه « 3 » : صلى الإله ومن يحف بعرشه * والطيبون على المبارك أحمد أحمد بدل أو بيان للمبارك ، وأما محمد فمنقول من صفة أيضا ، وهو في معنى محمود ولكن في معنى المبالغة والتكرار ، فأحمد هو الذي حمد مرة بعد مرة . قال القرطبي : كما أن المكرم من أكرم مرة بعد مرة ، وكذلك الممدح ونحو ذلك : واسم محمد مطابق لمعناه ، والله سبحانه وتعالى سماه قبل أن يسمي به نفسه ، فهذا علم من أعلام نبوته ، وكان اسمه صادقا عليه فهو محمود في الدنيا لما هدي إليه ونفع به من العلم والحكمة ، وهو محمود في الآخرة بالشفاعة . فقد تكرر معنى الحمد كما يقتضي اللفظ ، ثم إنه لم يكن محمدا حتى كان أحمد حمد ربه فنبأه وشرفه ، فلذلك تقدم اسم أحمد على الاسم الذي هو محمد فذكره عيسى فقال : اسمه

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في المناقب حديث 3532 ، ومسلم في الفضائل حديث 2354 ، والترمذي في الأدب حديث 2840 ، والدارمي في الرقاق باب 59 ، وأحمد في المسند 4 / 80 ، 81 ، 84 ، 6 / 25 . ( 2 ) أخرجه ابن حجر في لسان الميزان 5 / 1087 ، بلفظ : « اسمي في التوراة والشمس وضحاها » . ( 3 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان حسان بن ثابت ص 132 .