الخطيب الشربيني
289
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فقالت : والله ما جلسنا مجلسنا هذا ، وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء « 1 » قال أكثر المفسرين : معناه لا يلحقن بأزواجهن ولدا من غيرهن ، وكانت المرأة تلتقط ولدا تلحقه بزوجها وتقول : هذا ولدي منك فكان هذا من البهتان والافتراء . وهذا عام في الإتيان بولد وإلحاقه بالزوج ، وإن سبق النهي عن الزنا . تنبيه : ذكر تعالى في هذه الآية لرسوله صلى اللّه عليه وسلم في صفة البيعة خصالا ستا صرح فيهن بأركان النهي ، ولم يذكر أركان الأمر وهي ست أيضا : الشهادة ، والزكاة ، والصلاة ، والصيام ، والحج ، والاغتسال من الجنابة ، وذلك لأن النهي دائم في كل زمان ومكان ، وكل الأحوال فكان التنبيه على اشتراط الدائم آكد . وقيل : إن هذه المناهي كانت في النساء كثيرا ممن يرتكبها ، ولا يحجزهن عنها شرف النسب فخصت بالذكر لهذا ، ونحو هذا قوله صلى اللّه عليه وسلم لوفد عبد القيس « وأنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت » « 2 » فنبههم على ترك المعصية في شرب الخمر دون سائر المعاصي لأنها كانت شهوتهم وعادتهم ، وإذا ترك المرء شهوته من المعاصي هان عليه ترك سائرها مما لا شهوة له فيها . ولما كان الإنسان محل النقصان لا سيما النسوان رجاهن سبحانه بقوله تعالى : وَاسْتَغْفِرْ أي : اسأل لَهُنَّ اللَّهَ أي : الملك الأعظم ذا الجلال والإكرام في الغفران إن وقع منهن تقصير وهو واقع ، لأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله تعالى حق قدره إِنَّ اللَّهَ أي : الذي له صفات الكمال غَفُورٌ أي : بالغ الستر للذنوب عينا وأثرا رَحِيمٌ أي : بالغ الإكرام بعد الغفران تفضلا منه وإحسانا . وروي أن ناسا من فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم فنهاهم الله عن ذلك بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا أي : لا تعالجوا أنفسكم أن توالوا قَوْماً أي : ناسا لهم قوة على ما يحاولونه فغيرهم من باب أولى غَضِبَ اللَّهُ أي : أوقع الملك الأعلى الغضب عَلَيْهِمْ لإقبالهم على ما أحاط بهم من الخطايا ، فهو عام في كل من اتصف بذلك يتناول اليهود تناولا أوليا قَدْ يَئِسُوا أي : تحققوا عدم الرجاء مِنَ الْآخِرَةِ أي : من ثوابها مع إيقانهم بها لعنادهم النبي صلى اللّه عليه وسلم مع علمهم أنه الرسول المبعوث في التوراة كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ أي من موتاهم أن يبعثوا ويرجعوا أحياء . وقيل : من أصحاب القبور بيان للكفار ، أي : كما يئس الكفار الذين قبروا من خير الآخرة ، إذ تعرض عليهم مقاعدهم من الجنة لو كانوا آمنوا ، وما يصيرون إليه من النار فيتبين لهم قبح حالهم ، وسوء منقلبهم . وما قاله البيضاوي تبعا للزمخشري من أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من قرأ سورة الممتحنة كان له المؤمنون والمؤمنات شفعاء يوم القيامة » « 3 » حديث موضوع .
--> ( 1 ) انظر الحاشية السابقة . ( 2 ) أخرجه البخاري في الإيمان حديث 53 ، ومسلم في الأشربة حديث 1995 ، والنسائي في الأشربة حديث 5641 ، وابن ماجة في الأشربة حديث 3401 . ( 3 ) ذكره الزمخشري في الكشاف 4 / 521 .