الخطيب الشربيني
284
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
فوتتها المهاجرة فلا يجمع عليه خسارتان الزوجية والمالية وأما الكسوة والنفقة فأنهما لما يتجدّد من الزمان . تنبيه : أمر الله تعالى برد ما أنفقوا إلى الأزواج ، وإنّ المخاطب بهذا الإمام . وهل يجب ذلك أو يندب ؟ ظاهرة الآية الوجوب ، ولكن رجح الندب وعليه الشافعي ، لأنّ البضع ليس بمال فلا يشمله الأمان كما لا يشمل زوجية ، والآية وإن كان ظاهرها الوجوب محتملة للندب الصادق بعدم الوجوب الموافق للأصل ، وقال مقاتل : يردّ المهر للذي يتزوّجها من المسلمين ، وليس لزوجها الكافر شيء . وقال قتادة : الحكم في ردّ الصداق إنما هو في نساء أهل الذمّة ، فأما من لا عهد بينه وبين المسلمين فلا يرد عليهم الصداق . قال القرطبي : والأمر كما قال وَلا جُناحَ أي : حرج وميل عَلَيْكُمْ يا أيها المشرفون بالخطاب أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ أي : تجدّدوا زواجكم بهنّ بعد الاستبراء ، وإن كان أزواجهنّ من الكفار لم يطلقوهنّ لزوال العلق عنهنّ لأنّ الإسلام فرق بينهم ، قال الله تعالى : وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [ النساء : 141 ] . ولما كان قد أمر برد مهور الكفار فكان ربما ظنّ أنه مغن عن تجديد مهر لهنّ إذا نكحهنّ المسلم نفى ذلك بقوله : إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أي : لأجل النكاح أُجُورَهُنَّ أي : مهورهنّ ، وفي شرط ائتاء المهر في نكاحهنّ إيذان بأن ما أعطى أزواجهنّ لا يقوم مقام المهر وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ جمع عصمة ، وهي هنا عقد النكاح ، أي : من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدّ بها فقد انقطعت عصمتها فلا يكن بينكم وبينهنّ عصمة ولا علقة زوجية ، والكوافر جمع كافرة كضوارب في ضاربة . قال النخعي : المراد بالآية هي المرأة المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر ، وكان الكفار يتزوّجون المسلمات ، والمسلمون يتزوجون المشركات ، ثم نسخ ذلك بهذه الآية فطلق عمر بن الخطاب حينئذ امرأتين له بمكة مشركتين قريبة بنت أبي أمية فتزوجها معاوية بن أبي سفيان ، وهما على شركهما بمكة وأمّ كلثوم بنت عمرو الخزاعية أم عبد الله بن المغيرة فتزوجها أبو جهم بن حذافة ، وهما على شركهما بمكة فلما ولي عمر قال أبو سفيان لمعاوية : طلق قريبة فلا يرى عمر سلبه في بيتك فأبى معاوية ، وكانت عند طلحة بن عبيد الله أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ففرق الإسلام بينهما ، ثم تزوجها في الإسلام خالد بن سعيد بن العاص ، وكانت ممن فرّ إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من نساء الكفار فحبسها وزوجها خالد بن سعيد بن العاص بن أمية . وقال الشعبي : كانت زينب بنت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم امرأة أبي العاص بن الربيع أسلمت ولحقت بالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وأقام أبو العاص بمكة مشركا ، ثم أتى المدينة وأسلم فردّها عليه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم . روى أبو داود عن عكرمة عن ابن عباس بالنكاح الأوّل ، ولم يحدث شيئا . قال محمد بن عمرو في حديث بعد ست سنين ، وقال الحسن بن علي : بعد سنتين ، قال أبو عمر : فإن صح هذا فلا يخلو من وجهين : إما أنها لم تحض حتى أسلم زوجها ، وإما أنّ الأمر فيها منسوخ بقوله تعالى : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ يعني : في عدّتهن ، وهذا مما لا خلاف فيه أنه عنى به العدّة قال الزهري في قصة زينب : هذه كانت قبل أن تنزل الفرائض ، وقال قتادة : كان هذا قبل أن تنزل سورة براءة بقطع العهود بينهم وبين المشركين . تنبيه : المراد بالكوافر هنا عبدة الأوثان ، ومن لا يجوز ابتداء نكاحها . وقيل : هي عامّة نسخ منها نساء أهل الكتاب ، فعلى الأول : إذا أسلم وثني ، أو مجوسي ولم تسلم امرأته فرق بينهما ،