الخطيب الشربيني

278

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

والالتفات من التكلم إلى الغيبة للدلالة على ما يوجب الإيمان إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ أي : عن أوطانكم ، وقوله تعالى : جِهاداً فِي سَبِيلِي أي : بسبب إرادتكم تسهيل طريقي التي شرعتها لعبادي أن يسلكوها وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي أي : ولأجل تطلبكم أعظم الرغبة لرضاي علة للخروج ، وعمدة للتعليق ، وجواب الشرط محذوف دلّ عليه لا تتخذوا . وقرأ الكسائي بالإمالة محضة ، والباقون بالفتح . وقوله تعالى : تُسِرُّونَ أي : توجدون جميع ما يدل على مناصحتكم إياهم والتودّد إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ أي : بسببها بدل من تلقون قاله ابن عطية . قال ابن عادل : ويشبه أن يكون بدل اشتمال لأنّ القاء المودّة يكون سرّا وجهرا ، أو استئناف واقتصر عليه الزمخشري وَأَنَا أي : والحال أني أَعْلَمُ أي : من كل أحد حتى من نفس الفاعل ، وقرأ نافع بمدّ الألف بعد النون بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ قال ابن عباس : بما أخفيتم قي صدوركم وما أظهرتم بألسنتكم ، أي : فأي فائدة لإسراركم إن كنتم تعلمون أني عالم به ، وإن كنتم تتوهمون أني لا أعلمه فهي القاصمة وَمَنْ يَفْعَلْهُ أي : يوجد أسرار خبر إليهم ويكاتبهم مِنْكُمْ أي : في وقت من الأوقات فَقَدْ ضَلَّ أي : عمي ومال وأخطأ سَواءَ السَّبِيلِ أي : قويم الطريق الواسع الموصل إلى القصد قويمه وعدله . قال القرطبي : هذا كله معاتبة لحاطب ، وهو يدل على فضله وكرامته ونصيحته لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وصدق إيمانه فإنّ المعاتبة لا تكون إلا من محب لحبيب ، كما قال القائل « 1 » : إذا ذهب العتاب فليس ودّ * ويبقى الودّ ما بقي العتاب وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار الدال عند الضاد ، والباقون بالإدغام . إِنْ يَثْقَفُوكُمْ أي : يظفروا بكم في وقت من الأوقات ومكان من الأماكن يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً أي : ولا ينفعكم إلقاء المودّة إليهم وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أي : خاصة ، وإن كان هناك في ذلك الوقت من غير من قتل أعز الناس عليهم أَيْدِيَهُمْ أي : بالضرب أن استطاعوا وَأَلْسِنَتَهُمْ أي : بالشتم مضمومة إلى فعل أيديهم فعل من ضاق صدره بما تجرّع من آخر من الغصص حتى أوجب له غاية السفه بِالسُّوءِ أي : بكل ما من شأنه أن يسوء وَوَدُّوا أي : تمنوا قبل هذا لَوْ تَكْفُرُونَ لأنّ مصيبة الدين أعظم فهو إليها أسرع ، لأنّ دأب العدوّ القصد إلى أعظم ضرر يراه لعدوّه ، وعبر بما يفهم التمني الذي يكون في المحالات ليكون المعنى أنهم أحبوا ذلك غاية الحب وتمنوه ، وفيه بشرى بأنه من قبيل المحال ، وقدم الأوّل لأنه أبين في العداوة وإن كان الثاني أنكى . ولما كانت عداوتهم معروفة ، وإنما غطاها محبة القرابات لأنّ الحب للشيء يعمي ويصم فخطأ رأيهم في موالاتهم بما أعلمهم به من حالهم ، فقال تعالى مستأنفا إعلاما بأنها خطأ على كل حال : لَنْ تَنْفَعَكُمْ بوجه من الوجوه أَرْحامُكُمْ أي : قراباتكم الحاملة لكم على رحمتكم والعطف عليهم وَلا أَوْلادُكُمْ أي : الذين هم أخص أرحامكم إن واليتم أعداء الله تعالى لأجلهم ، فينبغي أن لا تعدّوا قربهم منكم بوجه أصلا ، ثم علل ذلك وبينه بقوله تعالى : يَوْمَ الْقِيامَةِ أي : القيام الأعظم يَفْصِلُ أي : يوقع الفصل ، وهو الفرقة العظيمة بانقطاع جميع الأسباب . وقرأ عاصم بفتح الياء وإسكان الفاء وكسر الصاد مخففة ، وقرأ ابن عامر بضم الياء وفتح

--> ( 1 ) البيت من الوافر ، وهو بلا نسبة في لسان العرب ( عتب ) ، وكتاب العين 2 / 76 ، ومقاييس اللغة 4 / 227 ، وكتاب الجيم 2 / 291 ، وتاج العروس ( عتب ) ، والعقد الفريد 2 / 310 ، 4 / 230 .