الخطيب الشربيني
269
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
والمنافقين يا أعلى الخلق ، أو يا أيها الناظر وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي بكسر السين ، والباقون بفتحها جَمِيعاً لما هم فيه من اجتماع الأشباح وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى أي : متفرقة أشدّ افتراقا ، وموجب هذا الشتات اختلاف الأهواء التي لا جامع لها من نظام العقل كالبهائم ، وإن اجتمعوا في عداوة أهل الحق كاجتماع البهائم في الهرب من الذئب . قال القشيري : اجتماع النفوس مع تنافر القلوب واختلافها أصل كل فساد ، وموجب كل تخاذل ، ومقتض لتجاسر العدو واتفاق القلوب ، والاشتراك في الهمة ، والتساوي في القصد موجب كل ظفر ، وكل سعادة . وقرأ شتى الحسن وحمزة والكسائي بالإمالة محصنة ، وورش بالفتح وبين اللفظين وأبو عمرو بين بين ، والباقون بالفتح ، وهي على وزن فعلى ذلِكَ أي : الأمر الغريب من الافتراق بعد الاتفاق الذي يحيل الاجتماع بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ أي : مع شدتهم لا يَعْقِلُونَ فلا دين لهم مثلهم في ترك الإيمان . كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً أي : بزمن قريب ، وهم كما قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما : بنو قينقاع من أهل دينهم اليهود أظهروا بأسا شديدا عندما قصدهم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في أثر غزوة بدر ، فوعظهم وحذرهم بأس الله تعالى فقالوا : لا يغرنك يا محمد أنك لقيت قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب ، فأصبت منهم أما والله لو قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس ، ثم مكروا بامرأة من المسلمين فراودوها عن كشف وجهها فأبت ، فعقدوا طرف ثوبها من تحت خمارها فلما قامت انكشف سوقها فصاحت ، فغار لها شخص من الصحابة فقتل اليهودي الذي عقد ثوبها ، فقتلوه فانتقض عهدهم فأنزل الله النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بساحتهم فأذلهم الله تعالى ، ونزلوا من حصنهم على حكمه صلى اللّه عليه وسلم وقد كانوا حلفاء ابن أبي ، ولم يغن عنهم شيئا غير أنه سأل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في أن لا يقتلهم وألح عليه حتى كف عن قتلهم ، فذهبوا عن المدينة الشريفة بأنفسهم من غير حشر لهم بالإلزام بالجلاء . ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ أي : عقوبته في الدنيا من القتل وغيره وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي : مؤلم في الآخرة . مثلهم أيضا في سماعهم من المنافقين وتخلفهم عنهم كَمَثَلِ الشَّيْطانِ أي : البعيد من كل خير لبعده من الله تعالى المحترق بعذابه ، والشيطان هنا مثل المنافقين إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ وهو هنا مثل اليهود اكْفُرْ أي : بالله بما زين له ووسوس إليه من اتباعه الشهوات القائم مقام الأمر فَلَمَّا كَفَرَ أي : أوجد الإنسان الكفر على أيّ وجه . ودلت الفاء على إسراعه في متابعة تزيينه . قالَ أي : الشيطان الذي هو هنا عبارة عن المنافقين إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ أي : ليس بيني وبينك علاقة في شيء أصلا ظنا منه أنّ هذه البراءة تنفعه شيئا مما استوجبه المأمور بقبوله لآمره ، وذلك مثل ضربه الله تعالى للمنافقين واليهود في انخذالهم وعدم الوفاء في نصرتهم . وحذف حرف العطف ولم يقل وكمثل الشيطان لأنّ حذف العطف كثير . كقولك : أنت عاقل ، أنت كريم ، أنت عالم ، وقوله كَمَثَلِ الشَّيْطانِ كالبيان لقوله تعالى : كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ روي عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « أنّ الإنسان الذي قال له الشيطان راهب نزلت عنده امرأة أصابها لمم ليدعو لها ، فزين له الشيطان فوطئها فحملت ، ثم قتلها خوفا من أن يفتضح فدل الشيطان قومها على موضعها ، فجاؤوا فاستنزلوا الراهب ليقتلوه فجاءه الشيطان ، فوعده إن سجد له أنجاه منهم فسجد له فتبرأ منه » « 1 » وروى عطاء
--> ( 1 ) انظر القرطبي في تفسيره 18 / 37 .