الخطيب الشربيني

266

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

أسلموا مع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إلى يوم القيامة يَقُولُونَ على سبيل التجديد والاستمرار تصديقا لإيمانهم بدعائهم رَبَّنَا أي : أيها المحسن إلينا بإيجاد من مهد الدين قبلنا اغْفِرْ لَنا أي : أوقع ستر النقائص آثارها وأعيانها وَلِإِخْوانِنَا أي : في الدين فإنهم أعظم أخوة ، وبينوا العلة بقولهم الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ قال ابن أبي ليلى الناس على ثلاثة منازل : المهاجرين ، والذين تبوؤوا الدار والإيمان ، والذي جاؤوا من بعدهم فاجتهد أن لا تخرج من هذه المنازل . وقال بعضهم : كن مهاجرا ، فإن قلت : لا أجد فكن أنصاريا ، فإن لم تجد فاعمل بأعمالهم ، فإن لم تستطع فأحبهم واستغفر لهم كما أمر الله تعالى . وقال مصعب بن سعد : الناس على ثلاث منازل فمضت منزلتان وبقيت منزلة ، فأحسن ما أنتم عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت . وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه جاءه رجل فقال له : يا ابن بنت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ما تقول في عثمان فقال له يا أخي أنت من قوم قال الله تعالى فيهم : لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الآية ، قال : لا ، قال : فأنت من قوم قال الله تعالى فيهم : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ الآية ، قال : لا ، قال : فوالله إن لم تكن من أهل الآية الثالثة لتخرجنّ من الإسلام ، وهي قوله تعالى : وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ الآية وروي أنّ نفرا من أهل العراق جاؤوا إلى محمد بن علي بن الحسين فسبوا أبا بكر وعمر وعثمان فأكثروا ، فقال لهم : أمن المهاجرين الأولين أنتم ، فقالوا : لا فقال : أمن الذين تبؤوا الدار والإيمان ، قالوا : لا قال : فقد تبرأتم من هذين الفريقين ، أنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله تعالى : وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ قوموا فعل الله بكم وفعل . تنبيه : هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة رضى الله تعالى عنهم أجمعين ، لأنه جعل لمن بعدهم حظا في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم ، ومن أبغضهم أو واحدا منهم ، أو اعتقد فيهم شرا أنه لا حق له في الفيء . قال مالك : من كان يبغض أحدا من أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، أو كان في قلبه لهم غل فليس له حق في فيء المسلمين ، ثم قرأ وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ الآية ، وهي عامة في جميع التابعين الآتين بعدهم إلى يوم القيامة . يروى أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم خرج إلى المقبرة فقال : « السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، وددت لو رأيت إخواننا ، فقالوا : يا رسول الله ألسنا إخوانك ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : بل أنتم أصحابي ، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد وأنا فرطهم على الحوض » « 1 » فبين صلى اللّه عليه وسلم إن إخوانه كان من أتى بعدهم كما قال السدي والكلبي : إنهم الذي هاجروا بعد ذلك ، وعن الحسن أيضا : أنّ الذين جاؤوا من بعدهم من قصد إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة بعد انقطاع الهجرة ، وإنما بدؤوا في الدعاء بأنفسهم لقوله صلى اللّه عليه وسلم « ابدأ بنفسك » « 2 » وقال الشعبي : تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة ، سئلت اليهود من خير أهل ملتكم فقالوا : أصحاب موسى ، وسئلت النصارى من خير أهل ملتكم فقالوا : أصحاب عيسى ، وسألت الرافضة من شر أهل ملتكم فقالوا : أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم . وعن عائشة قالت سمعت رسول الله

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الطهارة حديث 249 ، والنسائي في الطهارة حديث 150 ، وابن ماجة في الزهد حديث 4306 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الزكاة حديث 997 ، والنسائي في الزكاة حديث 2546 .