الخطيب الشربيني

253

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

بخيبر ، ولحقت طائفة بالحيرة . فذلك قوله تعالى : هُوَ أي : وحده من غير إيجاف خيل ولا ركاب الَّذِي أَخْرَجَ أي : على وجه القهر الَّذِينَ كَفَرُوا أي : ستروا ما في كتبهم من الشواهد لمحمد صلى اللّه عليه وسلم بأنه النبيّ الخاتم ، وما في فطرتهم الأولى من اتباع الحق مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أي : الذي أنزله الله تعالى على رسوله موسى صلى اللّه عليه وسلم ، وهم بنو النضير . وفي التعبير بكفروا إشعار بأنهم الذي أزالوا بالتبديل والإخفاء ما قدروا عليه مما بقي من التوراة مِنْ دِيارِهِمْ أي : مساكنهم بالمدينة عقوبة لهم ، لأنّ الوطن عديل الروح لأنه للبدن كالبدن للروح فكان الخروج منه في غاية العسر . قال ابن إسحاق : كان إجلاء بني النضير مرجع النبي صلى اللّه عليه وسلم من أحد ، وفتح قريظة عند مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان لِأَوَّلِ الْحَشْرِ هو حشرهم إلى الشام . وآخره أن جلاهم عمر في خلافته إلى خيبر . قال سمرة الهمداني : كان أوّل الحشر من المدينة ، والحشر الثاني من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحا من الشام في أيام عمر وقال القرطبي : الحشر الجمع ، وهو على أربعة أضرب : حشران في الدنيا وحشران في الآخرة ، أما الذي في الدنيا فقوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ كانوا من سبط لم يصبهم جلاء ، وكان الله تعالى قد كتب عليهم الجلاء فلولا ذلك لعذبهم في الدنيا ، وكان أوّل حشر في الدنيا إلى الشام ، قال ابن عباس وعكرمة رضي الله عنهم : من شك أنّ المحشر في الشام فليقرأ هذه الآية ، وأنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لهم : « اخرجوا قالوا إلى أين ، قال : إلى أرض الحشر » « 1 » قال قتادة : هذا أول الحشر . قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو أول من حشر من أهل الكتاب وأخرج من داره . وأما الحشر الثاني : فحشرهم قرب القيامة ، قال قتادة : تأتي نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب ، تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا وتأكل من تخلف منهم ، وهذا ثابت في الصحيح . وذكروا أنّ تلك النار ترى بالليل ولا ترى بالنهار . وقال ابن العربي : للحشر أوّل ووسط وآخر ، فالأوّل : جلاء بني النضير ، والأوسط : جلاء خيبر ، والآخر : حشر يوم القيامة . وعن الحسن : هم بنو قريظة وخالفه بقية المفسرين ، وقالوا : بنو قريظة ما حشروا ولكنهم قتلوا حكاه الثعلبي ما ظَنَنْتُمْ أيها المؤمنون أَنْ يَخْرُجُوا أي : يوقعوا الخروج من شيء أورثتموه منهم لما كان لكم من الضعف ولهم من القوة لكثرتهم وشدّة بأسهم وقرب بني قريظة منهم وأهل خيبر أيضا غير بعيدين عنهم ، وكلهم أهل ملتهم والمنافقون من أنصارهم فخابت ظنونهم في جميع ذلك وَظَنُّوا أَنَّهُمْ وقوله تعالى : مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ فيه وجهان : أحدهما : أن تكون حصونهم مبتدأ ، ومانعتهم خبرا مقدّما ، والجملة خبر أنهم . الثاني : أن تكون مانعتهم خبر أنهم ، وحصونهم فاعل به نحو إنّ زيدا قائم أبوه ، وإنّ عمرا قائمة جاريته . وجعله أبو حيان أولى لأنّ في نحو قائم زيد على أن يكون خبرا مقدّما ومبتدأ مؤخرا خلافا ، والكوفيون يمنعونه فمحل الوفاق أولى .

--> ( 1 ) أخرجه ابن كثير في تفسيره 8 / 84 ، والذهبي في ميزان الاعتدال 3271 ، والقرطبي في تفسيره 18 / 2 .