الخطيب الشربيني

241

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

بالذكر ، لأنه أوّل عدد يتأتى ذلك فيه . قال القرطبي : وظاهر الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال وذهب إليه ابن عمر ومالك والجمهور وسواء أكان التناجي في واجب أو مندوب أو مباح فإنّ الحزن ثابت به ، وقد ذهب بعض الناس إلى أنّ ذلك كان في أوّل الإسلام لأنّ ذلك كان حال المنافقين فيتناجى المنافقون دون المؤمنين فلما فشا الإسلام سقط ذلك ، وقال بعضهم : ذلك خاص بالسفر وفي المواضع التي لا يأمن الرجل فيها صاحبه فأمّا الحضر وبين العمارة فلا ؛ لأنه يجد من يغيثه بخلاف السفر فإنه مظنة الاغتيال وعدم الغوث ولما نهى المؤمنين عما يكون سببا للتباغض والتنافر أمرهم الآن بما يصير سببا لزيادة المحبة والمودّة بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي : الذين اتصفوا بهذا الوصف إِذا قِيلَ لَكُمْ أي : من أيّ قائل كان فإنّ الخير يرغب فيه لذاته تَفَسَّحُوا أي : توسعوا أي : كلفوا أنفسكم في اتساع المواضع فِي الْمَجالِسِ أي : الجلوس أو مكانه لأجل من يأتي فلا يجد مجلسا يجلس فيه ، قال قتادة ومجاهد : « كانوا يتنافسون في مجلس النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فأمرهم أن يفسح بعضهم لبعض » « 1 » ، وقال ابن عباس : المراد بذلك مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب ، قال الحسن وزيد بن أبي حبيب « كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إذا قاتل المشركين تشاح أصحابه على الصف الأوّل فلا يوسع بعضهم لبعض رغبة في القتال والشهادة فنزلت » « 2 » . فيكون كقوله تعالى : مَقاعِدَ لِلْقِتالِ [ آل عمران : 121 ] وقال مقاتل « كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في الصفة وكان في المكان ضيق وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين ، والأنصار فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجلس ، فقاموا قبل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم ، فعرف رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ما يحملهم على القيام وشق ذلك على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فقال لمن حوله من غير أهل بدر : قم يا فلان بعدد القائمين من أهل بدر فشق ذلك على من قام ، وعرف النبيّ صلى اللّه عليه وسلم الكراهة في وجوههم فقال المنافقون : والله ما عدل على هؤلاء أنّ قوما أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب منه فأقامهم وأجلس من أبطأ » « 3 » فنزلت الآية يوم الجمعة وروي عن ابن عباس قال : « نزلت الآية في ثابت بن قيس بن شماس وذلك أنه دخل المسجد وقد أخذ القوم مجالسهم وكان يريد القرب من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم للوقر أي : الصمم الذي كان في أذنيه فوسعوا له حتى قرب من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، ثم ضايقه بعضهم وجرى بينه وبينهم كلام فنزلت » وقد تقدّمت قصته في سورة الحجرات . وقرأ عاصم : بفتح الجيم وألف بعدها جمعا لأنّ لكل جالس مجلسا أي : فليفسح كل واحد في مجلسه والباقون بسكون الجيم ولا ألف إفرادا ، قال البغوي : لأنّ المراد منه مجلس النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . وقال القرطبي : الصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس اجتمع المسلمون فيه للخير وللأجر سواء أكان مجلس حرب أو ذكر أو مجلس يوم الجمعة ، وإنّ كل واحد أحق بمكانه الذي سبق إليه قال صلى اللّه عليه وسلم : « من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به ولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذ بذلك

--> ( 1 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي . ( 2 ) انظر القرطبي في تفسيره 17 / 296 . ( 3 ) انظر القرطبي في تفسيره 17 / 296 .