الخطيب الشربيني

238

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الأعظم من الوجود لإظهار الصفات العلا فيه أتم إظهار أَنَّ اللَّهَ الذي له الكمال كله بِكُلِّ شَيْءٍ أي : مما ذكر وغيره عَلِيمٌ أي : بالغ العلم فهو على كل شيء شهيد وهذا تحذير من المعاصي وترغيب في الطاعات . واختلف في سبب نزول قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أي : تعلم علما هو كالرؤية إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى فقيل : في اليهود وقيل : في المنافقين ، وقيل : في فريق من الكفار وقيل في فريق من المسلمين لما روى أبو سعيد الخدري قال : « كنا ذات ليلة نتحدث إذ خرج علينا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فقال صلى اللّه عليه وسلم : ما هذه النجوى فقلنا تبنا إلى الله تعالى يا رسول الله إنا كنا في ذكر المسيح يعني الدجال فرقا منه ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : ألا أخبركم بما هو أخوف عندي منه قلنا بلى يا رسول الله قال : الشرك الخفي أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل » « 1 » ذكره الماوردي . وقال ابن عباس : « نزلت في اليهود والمنافقين ، كانوا يتناجون فيما بينهم وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم يوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم فيحزنون لذلك ويقولون : ما نراهم إلا وقد بلغهم من إخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل أو موت أو هزيمة ، فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم ، فلما طال ذلك عليهم وأثر شكوا إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم فأنزل الله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ أي : على سبيل الاستمرار ، لأنه وقع مرّة وبادروا إلى التوبة منها أو فلتة معفوا عنها لِما نُهُوا عَنْهُ أي : من غير أن يعتدوا لما يتوقع من جهة الناهي من الضرر عنده وَيَتَناجَوْنَ أي : يقبل بعضهم على المناجاة إقبالا واحدا فيفعل كل منهم منها ما يفعله الآخر مرّة بعد أخرى على سبيل الاستمرار . وقرأ حمزة بعد الياء : بنون ساكنة وبعدها تاء فوقية مفتوحة ولا ألف قبل الجيم وضم الجيم ، والباقون بتاء فوقية مفتوحة وبعدها نون مفتوحة وبعد النون ألف وفتح الجيم بِالْإِثْمِ أي : بالشيء الذي لا يثبت عليهم به الذنب وبالكذب وبما لا يحل وَالْعُدْوانِ أي : العدوان الذي هو نهاية في قصد الشرّ بالإفراط في مجاوزة الحدود وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ أي : مخالفة النبيّ الذي جاء إليهم من الملك الأعلى وهو كامل في الرسالة لكونه مرسلا إلى جميع الخلق وفي كل الأزمان فلا نبيّ بعده فهو لذلك مستحق غاية الإكرام . فائدة : رسمت معصية في الموضعين بالتاء المجرورة ، وإذا وقف عليها فأبو عمرو وابن كثير والكسائي بالهاء في الوقف ، والكسائي بالإمالة في الوقف على أصله ووقف الباقون بالتاء على الرسم واتفقوا في الوصل على التاء وَإِذا جاؤُكَ أي : يا أشرف الخلق حَيَّوْكَ أي : واجهوك بما يعدونه تحية بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ أي : الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه « وذلك أنّ اليهود كانوا يدخلون على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ويقولون السام عليك ، والسام الموت وهم يوهمون أنهم يقولون السلام عليك وكان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يرد عليهم فيقول : وعليكم فقالت السيدة عائشة : السام عليكم ولعنة الله وغضبه عليكم ، فقال

--> ( 1 ) أخرجه بنحوه أحمد في المسند 3 / 30 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 1 / 315 ، والسيوطي في الدر المنثور 6 / 184 ، وابن كثير في تفسيره 5 / 201 ، 8 / 68 ، والقرطبي في تفسيره 17 / 291 .