الخطيب الشربيني
224
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
هما اللذان تتعدى فيهما إلى ما لا يجوز وَاللَّهُ أي : الذي له صفات الكمال لا يُحِبُّ أي : لا يفعل فعل المحب بأن يكرم كُلَّ مُخْتالٍ أي : متكبر نظرا إلى ما في يده من الدنيا فَخُورٍ أي : به على الناس قال القشيري : الاختيال من بقايا النفس ورؤيتها ، والفخر من رؤية خطر ما به يفتخر . وقوله تعالى : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بدل من كل مختال فخور فإنّ المختال بالمال يضن به غالبا وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ أي : كل من يعرفونه بِالْبُخْلِ إرادة أن يكونوا لهم رفقاء يعملون بأعمالهم الخبيثة أو مبتدأ خبره محذوف مدلول عليه بقوله تعالى : وَمَنْ يَتَوَلَّ أي : يكلف نفسه الإعراض ضد ما في فطرته من محبة الخير والإقبال على الله تعالى : فَإِنَّ اللَّهَ الذي له جميع صفات الكمال هُوَ أي : وحده الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ لأنّ معناه ومن يعرض عن الإنفاق فإنّ الله غني أي : عن ماله وعن إنفاقه وكل شيء مفتقر إليه وهو مستحق للحمد سواء أحمده الحامدون أم لا لَقَدْ أَرْسَلْنا أي : بما لنا من العظمة أَرْسَلْنا أي : الذين لهم نهاية الجلال بما لهم بنا من الاتصال من الملائكة إلى الأنبياء على جميعهم أفضل الصلاة والسلام ومن الأنبياء إلى الأمم بِالْبَيِّناتِ أي : الحجج القواطع وَأَنْزَلْنا أي : بعظمتنا التي لا شيء أعلى منها مَعَهُمُ الْكِتابَ أي : الكتب المتضمنة للأحكام وشرائع الدين وَالْمِيزانَ أي : العدل ، وقيل : الآلة روي أن جبريل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه إلى نوح عليه السلام وقال مر قومك يزنوا به لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ أي : ليتعاملوا بينهم بالعدل وَأَنْزَلْنا أي : خلقنا خلقا عظيما بما لنا من القوة الْحَدِيدَ أي : المعروف على وجه من القوّة والصلابة واللين فلذلك سمي إيجاده إنزالا ؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نزل آدم عليه السلام من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد وروي من آلة الحدادين السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة ، وحكاه القشيري قال : والميقعة ما يحدد به يقال : وقعت الحديدة أقعها أي : حددتها وفي الصحاح : الميقعة الموضع الذي يألفه البازي فيقع عليه ، وخشبة القصار التي يدق عليها والمطرقة والمسن الطويل ، وروى ومعه المبرد والمسحاة ، وعن عمر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إنّ الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض أنزل الحديد والنار والماء والملح » « 1 » . وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « أنزل ثلاثة أشياء مع آدم عليه السلام الحجر الأسود وكان أشد بياضا من الثلج وعصا موسى عليه السلام وكانت من آس طولها عشرة أذرع مع طول موسى » « 2 » ؛ وعن الحسن وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ خلقناه كقوله تعالى : وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ [ الزمر : 6 ] وذلك أن أوامره تنزل من السماء وقضاياه وأحكامه فِيهِ بَأْسٌ أي : قوة وشدّة شَدِيدٌ أي : قوة شديدة فمنه جنة وهي آلة الدفع ومنه سلاح وهو آلة الضرب وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ بما يعمل منه من مرافقهم لتقوم أحوالهم بذلك قال البيضاوي : ما من صنعة إلا والحديد آلتها ، وقال مجاهد : يعني جنة ، وقيل : انتفاع الناس بالماعون الحديد كالسكين والفأس ونحو ذلك ، وروي أنّ الحديد أنزل في يوم الثلاثاء فيه بأس شديد ، أي مهراق الدماء ولذلك نهي عن الفصد والحجامة في يوم الثلاثاء لأنه يوم جرى فيه الدم ؛ وروي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن في يوم الثلاثاء
--> ( 1 ) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال 4651 ، والذهبي في الطب النبوي 90 ، والقرطبي في تفسيره 17 / 260 ، والعجلوني في كشف الخفاء 1 / 566 ، والسيوطي في جمع الجوامع 4715 . ( 2 ) انظر القرطبي في تفسيره 17 / 260 .