الخطيب الشربيني
219
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
قست القلوب وقال الشاعر « 1 » : ألم يأن لي يا قلب أن نترك الجهلا * وأن يحدث الشيب المنير لنا عقلا وقوله تعالى : وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ أي : القرآن عطف على الذكر عطف أحد الوصفين على الآخر لأن القرآن جامع للأمرين للذكر والموعظة أو أنه حق نازل من السماوات ؛ ويجوز أن يراد بالذكر أن يذكر الله تعالى ، وقرأ نافع وحفص بتخفيف الزاي والباقون بالتشديد وقوله تعالى : وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ أي : قبل ما نزل إليكم وهم اليهود والنصارى معطوف على تخشع والمراد : النهي عن مماثلة أهل الكتاب فيما حكى عنهم بقوله تعالى : فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ أي : الأجل لطول أعمارهم أو آمالهم أو ما بينهم وبين أنبيائهم فَقَسَتْ أي : بسبب الطول قُلُوبُهُمْ أي : صلبت واعوجت بحيث لا تنفعل بالطاعات والخير فكانوا كل حين في تعنت جديد على أنبيائهم عليهم السلام يسألونهم المقترحات ، وأما بعد أنبيائهم فابعدوا في القساوة فمالوا إلى دار الكدر وأعرضوا عن دار الصفاء فانجروا إلى الهلاك باتباع الشهوات ؛ قال القشيري : وقسوة القلب إنما تحصل باتباع الشهوة فإن الشهوة والصفوة لا يجتمعان ؛ وعن أبي موسى الأشعري : أنه بعث إلى قراء البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرؤوا القرآن فقال : أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاقرؤه ولا تطيلوا عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ أخرجته قساوته عن الدين أصلا ورأسا فهم فاسِقُونَ أي : عريقون في صفة الإقدام على الخروج من دائرة الحق التي حدها لهم الكتاب حتى تركوا الإيمان بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام . وقوله تعالى : اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أي : الملك الأعظم الذي له الكمال كله فلا يعجزه شيء يُحْيِي أي : على سبيل التجديد والاستمرار كما تشاهدونه الْأَرْضَ أي : بالنبات بَعْدَ مَوْتِها أي : يبسها تمثيل لإحياء الأموات بجميع أجسادهم وإفاضة الأرواح عليها كما فعل بالنبات وكما فعل بالأجسام أول مرة ، ولإحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة فاحذروا سطوته وأخشوا غضبه وارجوا رحمته ، لإحياء القلوب فإنه قادر على إحيائها بروح الوحي كما أحيا الأرض بروح الماء لتصير بإحيائها بالذكر خاشعة بعد قسوتها كما صارت الأرض رابية بعد خشوعها وموتها . ولما انكشف الأمر بهذه غاية الانكشاف أنتج قوله تعالى : قَدْ بَيَّنَّا أي : على ما لنا من العظمة لَكُمُ الْآياتِ أي : العلامات النيرات لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي : لتكونوا عند من يعلم ذلك ويسمعه من الخلائق على رجاء من حصول العقل لكم بما يتجدد لكم من فهمه على سبيل التواصل الدائم بالاستمرار وقرأ : إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ أي : العريقين في هذا الوصف من الرجال وَالْمُصَّدِّقاتِ أي : من النساء ، ابن كثير وشعبة بتخفيف الصاد فيهما من التصديق بالإيمان والباقون بالتشديد فيهما من التصدق أدغمت التاء في الصاد أي : الذين تصدقوا وقوله تعالى : وَأَقْرَضُوا اللَّهَ أي : الذي له الكمال كله عطف على معنى الفعل في المصدقين لأنّ اللام بمعنى الذين واسم الفاعل بمعنى أصدقوا كأنه قيل : إنّ الذين أصدقوا وأقرضوا الله قَرْضاً حَسَناً أي : بغاية ما يكون من طيب
--> ( 1 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي .