الخطيب الشربيني

213

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

أيديكم بتوريثه إياكم فاعتبروا بحالهم حيث انتقل منهم إليكم وسينقل منكم إلى من بعدكم ، فلا تبخلوا به وانفعوا بالإنفاق منها أنفسكم . ولما أمر تعالى بالإنفاق ووصفه بما سهله سبب عنه ما يرغب فيه فقال تعالى : فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا من أموالهم في الوجوه التي ندب إليها على وجه الإصلاح على ما دلّ عليه التعبير بالإنفاق لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ أي : لا تبلغ عقولكم حقيقة كبره فاغتنموا الإنفاق في أيام استخلافكم قبل عزلكم وإتلافكم ، وخصهم بالذكر بقوله تعالى : مِنْكُمْ لضيق في زمانهم ، وقيل : إنّ ذلك إشارة إلى عثمان فإنه جهز جيش العسرة . وقوله تعالى : وَما أي : وأيّ شيء لَكُمْ من الأعذار أو غيرها في أنكم أو حال كونكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أي : تجدّدون الإيمان تجديدا مستمرا بالملك الأعلى ، أي : الذي له الملك كله والأمر كله خطاب للكفار ، أي : لا مانع لكم بعد سماعكم ما ذكر وَالرَّسُولُ أي : والحال أن الذي له الرسالة العامة يَدْعُوكُمْ في الصباح والمساء لِتُؤْمِنُوا أي : لأجل أن تؤمنوا بِرَبِّكُمْ الذي أحسن تربيتكم بأن جعلكم من أمّة هذا النبيّ الكريم فشرفكم به وَقَدْ أي : والحال أنه قد أَخَذَ مِيثاقَكُمْ أي : وقع أخذه فصار في غاية القباحة ، ترك التوثق بسبب نصب الأدلة والتمكين من النظر بإبداع العقول وذلك كله منضم إلى أخذ الذرّية من ظهر آدم عليه السلام حين أشهدهم على أنفسهم أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] وقرأ أبو عمرو : بضم الهمزة وكسر الخاء ورفع القاف على البناء للمفعول ليكون المعنى : من أيّ أخذ كان من غير نظر إلى معين وقرأ الباقون بفتح الهمزة والخاء ونصب القاف على البناء للفاعل والآخذ هو الله القادر على كل شيء العالم بكل شيء ، والحاصل : أنهم نقضوا الميثاق في الإيمان فلم يؤاخذهم حتى أرسل الرسل إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي : مريدين الإيمان فبادروا إليه هُوَ أي : لا غيره الَّذِي يُنَزِّلُ أي : على سبيل التدريج والموالاة بحسب الحاجة ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وتخفيف الزاي ، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي عَلى عَبْدِهِ الذي هو أحق الناس بحضرة جماله وإكرامه وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم آياتٍ أي : علامات هي من ظهورها حقيقة أن يرجع إليها ويتعبد بها بَيِّناتٍ أي : واضحات وهي آيات القرآن الكريم لِيُخْرِجَكُمْ أي : الله بالقرآن أو عبده بالدعوة مِنَ الظُّلُماتِ التي أنتم منغمسون فيها من الحظوظ والنقائص التي جبل عليها الإنسان والغفلة الكاملة على تراكم الجهل ، فمن آتاه الله تعالى العلم والإيمان فقد أخرجه من هذه الظلمات التي طرأت عليه إِلَى النُّورِ الذي كان له وصفا لروحه وفطرته الأولى السليمة وَإِنَّ اللَّهَ أي : الذي له صفات الكمال بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ أي : حيث نبهكم بالرسل والآيات ولم يقتصر على ما نصب لكم من الحجج العقلية ، وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي بقصر الهمزة ، والباقون بالمدّ ، وورش على أصله بالمدّ والتوسط والقصر ، وليس قصره كقصر أبي عمرو ومن معه وإنما قصره كمدّ قالون ومن وافقه وَما أي : وأي شيء يحصل لَكُمْ في أَلَّا تُنْفِقُوا أي : توجدوا الإنفاق للمال فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي : في كل ما يرضي الملك الأعظم الذي له صفات الكمال ليكون لكم به وصلة فيخصكم بالرأفة التي هي أعظم الرحمة ، فإنه ما يبخل أحد عن وجه خير إلا سلط الله عليه غرامة في وجه شرّ وَلِلَّهِ أي : الذي له صفات الكمال لا سيما صفة الإرث المقتضية للزهد في الموروث مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي : يرث كل شيء فيهما فلا يبقى لأحد مال فمن تأمّل أنه