الخطيب الشربيني
204
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
بالقرآن إلى أرض العدوّ » « 1 » . أراد به المصحف وقوله تعالى : لا يَمَسُّهُ خبر بمعنى النهي ولو كان باقيا على خبرتيه لزم منه الخلف لأنّ غير المطهر يمسه وخبر الله تعالى لا يقع فيه خلف لأنّ المراد بقوله تعالى : إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ لا المحدثون وهو قول عطاء وطاوس وسالم والقاسم وأكثر أهل العلم وبه قال مالك والشافعي رضي الله عنهما ؛ وقال ابن عادل : والصحيح أنّ المراد بالكتاب : المصحف الذي بأيدينا لما روى مالك وغيره أن كتاب عمرو بن حزم « لا يمس القرآن إلا طاهر » « 2 » ، وقال ابن عمر قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر » « 3 » وقالت أخت عمر لعمر عند إسلامه وقد دخل عليها ودعا بالمصحف لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ فقام فاغتسل وأسلم ، وعلى هذا قال قتادة وغيره معناه لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث والأنجاس انتهى . وقال ابن عباس : مَكْنُونٍ محفوظ عن الباطل والكتاب هنا كتاب في السماء ، وقال جابر : هو اللوح المحفوظ ، أي : لقوله تعالى : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ( 21 ) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [ البروج : 21 - 22 ] وقال عكرمة : التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن ، وقال السدي : الزبور وقيل : لا من « لا يمسه » نافية والضمة في لا يمسه ضمة إعراب وعلى هذا ففي الجملة وجهان : أحدهما : أن محلها الجرّ صفة لكتاب ، والمراد به : إمّا اللوح المحفوظ والمطهرون حينئذ الملائكة ، أو المراد به المصحف والمراد بالمطهرون الملائكة كلهم ، والثاني : محلها رفع صفة لقرآن والمراد بالمطهرين : الملائكة فقط أي : لا يطلع عليه ، لأنّ نسبة المس إلى المعاني متعذرة وقيل : إنها ناهية والفعل بعدها مجزوم لأنه لو فك عن الإدغام لظهر ذلك فيه كقوله تعالى : لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ [ آل عمران : 174 ] ولكنه أدغم ، ولما أدغم حرّك بالضم لأجل هاء ضمير المذكر الغائب ، وفي الحديث : « إنا لم نرده عليكما لأننا حرم » « 4 » بضم الدال ، وإن كان القياس يقتضي جواز فتحها تخفيفا ، وبهذا ظهر فساد رد من رد بأنّ هذا لو كان نهيا كان يقال لا يمسه بالفتح لأنه خفي عليه وانضم ما قبل الهاء في هذا التحويل لا يجوّز سيبويه غيره . واختلفوا في المس المذكور في الآية فقال أنس وسعيد بن جبير : لا يمس ذلك إلا المطهرون من الذنوب وهم الملائكة وقال أبو العالية وابن زيد : هم الذين طهروا من الذنوب كالرسل من الملائكة والرسل من بني آدم ، وقال الكلبي : هم السفرة الكرام البررة وهذا كله قول واحد وهو اختيار مالك ، وقال الحسن : هم الملائكة الموصوفون في سورة عبس في قوله تعالى : فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ( 13 ) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ( 14 ) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ( 15 ) كِرامٍ بَرَرَةٍ [ عبس : 13 - 16 ] وقيل : معنى لا يمسه لا ينزل به إلا المطهرون أي : إلا الرسل من الملائكة على الرسل من الأنبياء ولا يمس اللوح المحفوظ
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجهاد باب 129 ، ومسلم في الإمارة حديث 92 ، 93 ، 94 ، وأبو داود في الجهاد باب 81 ، وابن ماجة في الجهاد باب 45 ، ومالك في الجهاد حديث 7 ، وأحمد في المسند 2 / 6 ، 7 ، 10 ، 55 ، 63 ، 76 ، 128 . ( 2 ) أخرجه الدارمي في الطلاق حديث 2266 ، ومالك في مسّ القرآن حديث 1 . ( 3 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 485 ، والطبراني في المعجم الكبير 3 / 230 ، 9 / 33 ، والدارقطني في سننه 1 / 123 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 1 / 276 ، 277 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 2829 . ( 4 ) أخرجه البخاري في الحج حديث 1825 ، ومسلم في الحج حديث 1193 ، والترمذي في الحج حديث 849 ، والنسائي في المناسك حديث 2819 ، وابن ماجة في المناسك حديث 3090 .