الخطيب الشربيني

197

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

ويديمون على سبيل التجديد لما لهم من الميل الجبلي إلى ذلك عَلَى الْحِنْثِ أي : الذنب ويعبر بالحنث عن البلوغ ومنه قولهم : لم يبلغوا الحنث ، وإنما قيل ذلك لأنّ الإنسان عند بلوغه إليه يؤاخذ بالحنث أي : الذنب ، وتحنث فلان أي : جانب الحنث ، وفي الحديث : « كان يتحنث بغار حراء » « 1 » أي : يتعبد لمجانبة الإثم نحو خرج فتفعل في هذه كلها للسلب . ولما كان ذلك قد يكون من الصغائر التي تغفر قال تعالى : الْعَظِيمِ أي : وهو الشرك قاله الحسن والضحاك ؛ وقال مجاهد : هو الذنب الذي لا يتوبون منه ؛ وقال الشعبي : هو اليمين الغموس وهو من الكبائر يقال حنث في يمينه ، أي : لم يبرها ورجع فيها ، وكانوا يقسمون أن لا بعث وأنّ الأصنام أنداد الله تعالى فذلك حنثهم ، فإن قيل : الترفه هو التنعم وذلك لا يوجب ذمّا ؟ أجيب : بأنّ الذمّ إنما حصل بقوله تعالى : وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ فإن صدور المعاصي ممن كثرت النعم عليه أقبح القبائح وفي الآية مبالغات ، لأنّ قوله تعالى : يُصِرُّونَ يقتضي أنّ ذلك عادتهم والإصرار مداومة المعصية ولأنّ الحنث أبلغ من الذنب لأن الذنب يطلق على الصغيرة ويدل على ذلك قولهم : بلغ الحنث أي : بلغ مبلغا تلحقه فيه الكبيرة ، ووصفه بالعظيم يخرج الصغائر فإنها لا توصف بذلك ؛ قال الرازي : والحكمة في ذكره سبب عذابهم ولم يذكر في أصحاب اليمين سبب ثوابهم فلم يقل إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنين وذلك تنبيه على أنّ الثواب منه فضل والعقاب منه عدل ، والفضل سواء ذكر سببه أو لم يذكر لا يتوهم بالتفضل نقص وظلم ، وأما العدل إن لم يعلم سبب العقاب يظن أنّ هناك ظلما ، ويدل على ذلك أنه تعالى لم يقل في حق أصحاب اليمين جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * كما قال في السابقين لأنّ أصحاب اليمين نجوا بالفضل العظيم لا بالعمل بخلاف من كثرت حسناته يحسن إطلاق الجزاء في حقه . وَكانُوا أي : زيادة على ما ذكر يَقُولُونَ أي : إنكارا مجددين لذلك دائما عنادا أَ إِذا أي أنبعث إذا مِتْنا وَكُنَّا أي كونا ثابتا تُراباً وَعِظاماً ثم أعادوا الاستفهام تأكيدا لإنكارهم فقالوا : أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أي : كائن وثابت بعثنا ساعة من الدهر وأكدوا ليكون إنكارهم لما دون ذلك بطريق الأولى وقرأ قالون أئذا بتحقيق الهمزة الأولى ، المفتوحة وتسهيل الثانية المكسورة وإدخال ألف بينهما وكسر الميم من متنا وهمزة واحدة مكسورة في أئنا ، وقرأ ورش بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية ولا إدخال بينهما وكسر ميم متنا وهمزة واحدة مكسورة في أئنا مع النقل عن أصله ؛ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : بالاستفهام فيهما مع تسهيل الثانية إلا أنّ أبا عمرو يدخل بينهما ألفا فيهما وابن كثير لا يدخل ألفا وضما ميم متنا أَ وَآباؤُنَا أي : أو تبعت آباؤنا الْأَوَّلُونَ أي : الذين قد بليت مع لحومهم عظامهم فصاروا كلهم ترابا ولا سيما أن حملتهم السيول ففرّقت أعضاءهم وذهبت بها في الآفاق ؛ فإن قيل : كيف حسن العطف على المضمر في لمبعوثون من غير تأكيد بنحن ؟ أجيب بأنه حسن للفاصل الذي هو الهمزة كما حسن في قوله تعالى : ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا [ الأنعام : 148 ] لفصل لا المؤكدة للنفي ، وقرأ قالون وابن عامر : بسكون الواو من أو والباقون بفتحها . ثم ردّ الله تعالى عليهم قولهم ذلك بقوله تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم :

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في بدء الوحي حديث 3 ، ومسلم في الإيمان حديث 160 .