الخطيب الشربيني

193

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الحديث ردّ على من يقول : إنّ الأشجار لا ظل لها وقد سئل السبكي عن الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولا إذا تراءت له شجرة يقول : يا رب أدنني من هذه لأستظل في ظلها ، الحديث من أيّ شيء يستظل والشمس قد كورت ؟ أجاب بقوله تعالى : وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وبقوله تعالى : هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ [ يس : 56 ] إذ لا يلزم من تكوير الشمس عدم الظل لأنه مخلوق لله تعالى وليس بعدم بل أمر وجودي له نفع بإذن الله تعالى في الأبدان وغيرها . فليس الظل عدم الشمس كما قد يتوهم ؛ وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : وَظِلٍّ مَمْدُودٍ قال شجرة في الجنة يخرج إليها أهل الجنة فيتحدّثون ، ويشتهي بعضهم لهو الدنيا فيرسل الله تعالى عليهم ريحا من الجنة فتتحرك تلك الشجرة بكل لهو في الدنيا وَماءٍ مَسْكُوبٍ أي : جار في منازلهم في غير أخدود لا يحتاجون فيه إلى جلب ماء من الأماكن البعيدة ولا إدلاء في بئر كأهل البوادي ، فإن العرب كانت أصحاب بادية وبلاد حارّة ، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدلو والرشاء فوعدوا في الجنة خلاف ذلك فاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ أي : أجناسها وأنواعها وأشخاصها لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا تنقطع إذا جنيت ، ولا تمتنع من أحد إذ أراد أخذها ، وقال بعضهم : لا مقطوعة بالأزمان ولا ممنوعة بالأثمان كما تنقطع أكثر ثمار الدنيا إذا جاء الشتاء ، ولا يتوصل إليها إلا بالثمن ؛ وقيل : لا يمنع من أرادها شوك ولا بعد ولا حائط بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها ، قال تعالى قُطُوفُها دانِيَةٌ [ الحاقة : 23 ] وجاء في الحديث : « ما قطع من ثمار الجنة إلا أبدل الله تعالى مكانها ضعفين » « 1 » . ولما كان التفكه لا يكمل الالتذاذ به إلا مع الراحة قال تعالى : وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ أي : رفيعة القدر يقال : ثوب رفيع ، أي : عزيز مرتفع القدر والثمن بدليل قوله تعالى : مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ [ الرحمن : 54 ] فكيف ظهائرها أو مرفوعة فوق السرر بعضها فوق بعض ؛ روى الترمذي عن أبي سعيد عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى : وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ قال : « ارتفاعها كما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام » « 2 » . قال : حديث غريب ؛ وقيل : هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللباس ، أي : ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن ، والعرب تسمى المرأة فراشا ولباسا على الاستعارة . دليل هذا التأويل قوله تعالى : إِنَّا أي : بما لنا من العظمة التي لا يتعاظمها شيء أَنْشَأْناهُنَّ أي : الفرش التي معناها النساء من أهل الدنيا بعد الموت بالبعث وزاد في التأكيد فقال تعالى : إِنْشاءً أي : خلقا جديدا من غير ولادة بل جمعناهن من التراب كسائر بني آدم ، ليكونوا كأبيهم آدم عليه السلام في خلقه من تراب ، لتكون الإعادة كالبداءة ولذلك يكون الكل عند دخول الجنة على شكله عليه السلام ، وروى النحاس بإسناده أن أم سلمة سألت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عن قوله تعالى : إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فقال : « هن اللواتي قبضن في الدنيا عجائز شمطا عمشا رمصا جعلهن الله تعالى بعد الكبر أترابا على ميلاد واحد في الاستواء » « 3 » . وروى أنس بن مالك رضى

--> ( 1 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي . ( 2 ) أخرجه الترمذي في تفسير القرآن حديث 3294 . ( 3 ) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 10 / 417 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 10 / 544 ، والسيوطي في الدر المنثور 6 / 151 .