الخطيب الشربيني

169

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

في غيره قال القرطبي : يقال فرغت من الشغل أفرغ فراغا وفروغا وتفرّغت لكذا واستفرغت مجهودي في كذا أي بذلت وليس بالله تعالى شغل يفرغ منه ؛ وإنما المعنى سنقصد لمجازاتكم ومحاسبتكم فهو وعيد لهم وتهديد قاله ابن عباس والضحاك ؛ كقول القائل لمن يريد تهديده : إذا أتفرّغ لك أي أقصدك وأنشد ابن الأنباري لجرير « 1 » : الآن وقد فرغت إلى نمير * فهذا حين كنت لهم عذابا يريد : وقد قصدت ، وأنشد الزجاج والنحاس « 2 » : فرغت إلى العبد المقيد في الحجل وفي حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أنه لما بايع الأنصار ليلة العقبة صاح الشيطان : يا أهل الحباحب هذا مذمم يبايع بني قيلة على حربكم ، فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : هذا أزبّ العقبة أما والله يا عدوّ الله لأتفرغنّ لك » « 3 » أي : أقصد إلى إبطال أمرك . وهذا اختيار الكسائي وغيره . قال ابن الأثير الأزبّ في اللغة الكثير الشعر ؛ وهو ههنا شيطان اسمه أزبّ العقبة وهو الحية . وقيل : إنّ الله تعالى وعد على التقوى وأوعد على الفجور ثم قال تعالى : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ أي ما وعدناكم ونوصل كلا إلى ما وعدناه أقسم ذلك وأتفرّغ منه قاله الحسن ومقاتل وابن زيد . تنبيه : رسم أَيُّهَ بغير ألف فإذا وقف عليها وقف أبو عمرو والكسائي أيها بالألف ووقف الباقون على الرسم أيه وفي الوصل قرأ ابن عامر أيه برفع الهاء والباقون بنصبها . فائدة : سمى الإنس والجن بالثقلين لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف ؛ وقيل : سموا بذلك لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتا . قال الله تعالى : وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها [ الزلزلة : 2 ] ومنه قولهم : أعطه ثقله أي وزنه ؛ وقال بعض أهل المعاني كل شيء له قدر ووزن ينافس فيه فهو ثقل ومنه قيل لبيض النعام : ثقل ؛ لأنّ واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به ؛ وقال جعفر الصادق : سميا ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب ؛ وقيل : الثقل الإنس لشرفهم وسمي الجن بذلك مجازا للمجاورة والتغلب كالقمرين والعمرين والثقل العظيم الشريف . قال صلى اللّه عليه وسلم : « إني تارك فيكم ثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي » « 4 » . فَبِأَيِّ آلاءِ أي : نعم رَبِّكُما أي : المحسن إليكما بهذا الصنيع المحكم تُكَذِّبانِ أي : أبتلك النعم من إثابة أهل طاعته وعقوبة أهل معصيته أم بغيرها ؟ . يا مَعْشَرَ الْجِنِّ أي : يا جماعة فيهم الأهلية والعشرة والتصادق وَالْإِنْسِ أي : الخواص

--> ( 1 ) البيت من الوافر ، وهو لجرير في لسان العرب ( أين ) ، ولم أقع عليه في ديوانه . ( 2 ) صدره : ولمّا اتّقى القين العراقي باسته والبيت من الطويل ، وهو لجرير في ديوانه ص 952 ، ولسان العرب ( فرغ ) ، والكامل ص 36 ، وجمهرة اللغة ص 376 ، وتاج العروس ( فرغ ) ، ( حجل ) . ( 3 ) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 6 / 45 ، والقرطبي في تفسيره 17 / 168 ، وابن كثير في البداية والنهاية 3 / 164 . ( 4 ) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث 2408 ، وأحمد في المسند 3 / 14 ، 17 ، 26 ، 59 ، 4 / 367 ، 371 .