الخطيب الشربيني

166

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

لا صنع للبشر فيه ، وهم معترفون بذلك فيقولون لك الفلك ولك الملك ؛ وإذا خافوا الغرق دعوا الله وحده ، وسميت السفينة جارية لأنّ شأنها ذلك وإن كانت واقفة في الساحل كما سماها في موضع آخر بالجارية كما قال تعالى : إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ [ الحاقة : 11 ] وسماها بالفلك قبل أن لم تكن كذلك فقال تعالى لنوح عليه السلام : وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا [ هود : 37 ] ثم بعد ما عملها سماها سفينة فقال تعالى : فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ [ العنكبوت : 15 ] قال الرازي : فالفلك أولا ثم السفينة ثم الجارية ا . ه . والمرأة المملوكة تسمى أيضا جارية لأنّ شأنها الجري والسعي في حوائج سيدها بخلاف الزوجة فهي من الصفات الغالبة . والسفينة فعيله بمعنى فاعلة عند ابن دريد ؛ كأنها تسفن الماء وفعيلة بمعنى مفعولة عند غيره بمعنى مسفونة وقوله تعالى : فِي الْبَحْرِ متعلق بالمنشآت وقوله تعالى : كَالْأَعْلامِ حال إمّا من الضمير المستكن في المنشآت وإمّا من الجواري وكلاهما بمعنى واحد ؛ والأعلام الجبال والعلم الجبل الطويل علما على الأرض قال القائل « 1 » : إذا قطعنا علما بدا لنا علم وقال آخر « 2 » : ربما أوفيت في علم * ترفعن ثوبي شمالات وقالت الخنساء في أخيها صخر « 3 » : وإن صخرا لتأتمّ الهداة به * كأنه علم في رأسه نار أي : جبل فالسفن في البحر كالجبال في البرّ ؛ وجمع الجواري . ووحد البحر وجمع الأعلام إشارة إلى عظمة البحر . فَبِأَيِّ آلاءِ أي : نعم رَبِّكُما العظمى التي عمت خلقه تُكَذِّبانِ أبتلك النعم من خلق موادّ السفن والإرشاد إلى أخذها وكيفية تركيبها وإجرائها في البحر وأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها غيره أم غيرها ؟ . وقوله تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ أي : هالك غلب فيه من يعقل على غيره وجميعهم مراد ؛ والضمير في عليها للأرض قال بعضهم : وإن لم يجر لها ذكر كقوله تعالى : حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ ص : 32 ] ورد هذا بأنه قد تقدّم ذكرها في قوله تعالى : وَالْأَرْضَ وَضَعَها [ الرحمن : 10 ] وقيل : الضمير عائد إلى الجواري .

--> ( 1 ) يليه : حتى تناهين بنا إلى الحكم والرجز لجرير في ديوانه ص 512 ، 513 ، لسان العرب ( علم ) ، وتهذيب اللغة 2 / 18 ، وتاج العروس ( علم ) . ( 2 ) البيت من المديد ، وهو لجذيمة الأبرش في الأزهية ص 94 ، 265 ، والأغاني 15 / 257 ، وخزانة الأدب 11 / 404 ، والكتاب 3 / 518 ، ولسان العرب ( شيخ ) ، ( شمل ) ، والمقاصد النحوية 3 / 344 ، والدرر 5 / 162 ، وشرح المفصل 9 / 40 . ( 3 ) البيت من البسيط ، وهو في ديوان الخنساء ص 386 ، وجمهرة اللغة ص 948 ، وتاج العروس ( صخر ) ، ومقاييس اللغة 4 / 109 .