الخطيب الشربيني

160

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وقال النحاس : أصل السجود في اللغة الاستسلام والانقياد لله عز وجل فهو من الموات كلها استسلامها لأمر اللّه عز وجل وانقيادها له ، ومن الحيوان كذلك . فإن قيل : كيف اتصلت هاتان الجملتان بالرحمن ؟ أجيب بأنه استغنى فيهما عن الوصل اللفظي بالوصل المعنوي لما علم أنّ الحسبان حسبانه والسجود له لا لغيره كأنه قيل الشمس والقمر بحسبانه والنجم والشجر يسجدان له . فإن قيل : أي تناسب بين هاتين الجملتين حتى وسط بينهما العاطف ؟ أجيب : بأنّ الشمس والقمر سماويان والنجم والشجر أرضيان فبين القبيلين تناسب من حيث التقابل ، فإن السماء والأرض لا تزالان تذكران قرينتين ، وأنّ جري الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله تعالى فهو مناسب لسجود النجم والشجر . وَالسَّماءَ أي : ورفع السماء ثم فسر ناصبها فيكون كالمذكور مرتين إشارة إلى عظيم تدبيره لشدّة ما فيها من الحكم فقال تعالى : رَفَعَها أي حسا قال البقاعي : بعد ما كانت ملتصقة بالأرض ففتقها وأعلاها عنها ؛ وقال الزمخشري وتبعه البيضاوي : خلقها مرفوعة ؛ قال البيضاوي : محلا ورتبه ، وقال الزمخشري : حيث جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومتنزل أوامره ونواهيه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه ، ونبه بذلك على كبرياء شأنه وملكه وسلطانه . وَوَضَعَ الْمِيزانَ أي : العدل الذي دبر به الخافقين من الموازنة وهي المعادلة لتنتظم أمورنا كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « بالعدل قامت السماوات والأرض » « 1 » وقال السدي : وضع في الأرض العدل الذي أمر به يقال وضع الله الشريعة ووضع فلان كذا أي : ألفه . وقيل على هذا الميزان القرآن لأنّ فيه بيان ما يحتاج إليه وهو قول الحسين بن الفضل ، وقال الحسن وقتادة والضحاك هو الميزان الذي يوزن به لينتصف به الناس بعضهم من بعض وهو خبر بمعنى الأمر بالعدل يدل عليه قوله تعالى : وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ [ الرحمن : 9 ] والقسط هو العدل ؛ وقيل هو الحكم ، وقيل المراد وضع الميزان في الآخرة لوزن الأعمال . أن أي : لأجل أن لا تطغوا أي : تتجاوزوا الحدود فِي الْمِيزانِ فمن قال : الميزان العدل قال : طغيانه الجور ؛ ومن قال : إنه الميزان الذي يوزن به قال : طغيانه البخس قال ابن عباس : لا تخونوا من وزنتم له . وعنه أنه قال : يا معشر الموالي وليتم أمرين بهما هلك الناس المكيال والميزان ومن قال : إنه الحكم قال : طغيانه التحريف . وقيل فيه إضمار أي : وضع الميزان وأمركم أن لا تطغوا فيه . فإن قيل : إذا كان المراد به ما يوزن به فأيّ نعمة عظيمة فيه حتى يعدّ في الآلاء ؟ أجيب : بأنّ النفوس تأبى الغبن ولا يرضى أحد أن يغلبه غيره ولو في الشيء اليسير ، ويرى أنّ ذلك استهانة به فلا يترك خصمه يغلبه فوضع الله تعالى معيارا بيّن به التساوي ولا تقع به البغضاء بين الناس وهو الميزان ، وهو كل ما توزن به الأشياء بين الناس ، ويعرف مقاديرها به من ميزان ومكيال ومقياس ، فهو نعمة كاملة ولا ينظر إلى عدم ظهور نعمته وكثرته وسهولة الوصول إليه كالهواء والماء اللذين لا

--> ( 1 ) روي الحديث بلفظ : « خلق اللّه السماوات والأرض بالعدل » . أخرجه بهذا اللفظ القرطبي في تفسيره 13 / 246 .