الخطيب الشربيني

148

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

سبحانه أنه يجيبهم إلى إخراجها فِتْنَةً لَهُمْ أي : امتحانا يخالطهم به فيميلهم عن حالتهم التي وعدوا بها وتخليهم عنها ، لأنّ المعجزة فتنة لأنّ بها يتميز المثاب من المعذب ، فالمعجزة تصديق وحينئذ يفترق المصدّق من المكذب ، أو يقال : إخراج الناقة من الصخرة معجزة ودورانها بينهم وقسمة الماء كان فتنة ، ولهذا قال تعالى : إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ ولم يقل : مخرجوا . فَارْتَقِبْهُمْ أي : كلف نفسك انتظارهم فيما يكون لهم جزاء على أعمالهم انتظار من يحرسهم وَاصْطَبِرْ أي : عالج نفسك واجتهد في الصبر عليهم ، وأصل الطاء في اصطبر تاء فتحولت طاء لتكون موافقة للصاد في الإطباق وَنَبِّئْهُمْ أي : أخبرهم إخبارا عظيما بأمر عظيم وهو أَنَّ الْماءَ أي : الذي يشربونه وهو ماء بئرهم قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ أي : بين قوم صالح عليه السلام والناقة فغلّب العاقل عليها ، والمعنى أنا إذا بعثناها كان لهم يوم لا تشاركهم فيه ، ولها يوم لا تدع في البئر قطرة يأخذها أحد منهم وتوسع الكل بدل الماء لبنا . كُلُّ شِرْبٍ أي : نصيب من الماء مُحْتَضَرٌ أي : فالناقة تحضر الماء يوم وردها وتغيب عنهم يوم ورودهم قاله : مقاتل ، وقال مجاهد : إن ثمود يحضرون الماء يوم غيبها فيشربون ، ويحضرون اللبن يوم وردها فيحتلبون . تنبيه : الحكمة في قسمة الماء إمّا لأنّ الناقة عظيمة الخلق فتنفر منها حيواناتهم فكان يوم للناقة ويوم لهم ، وإمّا لقلة الماء فلا يحملهم ، وإمّا لأنّ الماء كان مقسوما بينهم لكل فريق يوم ، فيوم ورد الناقة على هؤلاء يرجعون على الآخرين وكذلك الآخرون فيكون النقصان على الكل ، ولا تختص الناقة بجميع الماء ، روي أنهم كانوا يكتفون في يوم وردها بلبنها ، وليس في الآية إلا القسمة دون كيفيتها وظاهر قوله تعالى : كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ يعضد الوجه الثالث ، وحضر واحتضر بمعنى واحد . وقوله تعالى : فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فيه حذف قبله ، أي : فتمادوا على ذلك ثم ملّوه فعزموا على عقرها فنادوا صاحبهم وهو قدّار بن سالف الذي انتدبوه بطرا وأشرا لقتل الناقة وكذبا في وعدهم الإيمان وإكرامها بالإحسان وكان أشجعهم ، وقيل كان رئيسهم . فَتَعاطى أي : فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم غير مكترث به فَعَقَرَ أي : فتسبب عن ذلك عقرها ، وقيل : فتعاطى الناقة فعقرها ، أو فتعاطى السيف فقتلها ، والتعاطي تفاعل الشيء بتكليف . قال محمد بن إسحاق كمن لها في أصل شجرة على طريقها فرماها فانتظم به عضلة ساقها ثم شدّ عليها بالسيف فكشف عرقوبها فخرت ورغت رغاءة واحدة ثم نحرها . وقال ابن عباس : كان الذي عقرها احمر أزرق أشقر أكشف أقعى يقال له قدار بن سالف ، والعرب تسمي الجزار قدار تشبيها بقدار بن سالف مشؤوم آل ثمود . فَكَيْفَ كانَ عَذابِي أي : كان على حال ووجه هو أهل لأن يجتهد في الإقبال على تعرفه والسؤال عنه وَنُذُرِ أي : إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله ، أي وقع موقعه . وبينه بقوله تعالى : إِنَّا أي : بما لنا من العظمة أَرْسَلْنا أي : إرسالا عظيما عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وحقر شأنهم بالنسبة إلى عظمة عذابه بقوله تعالى : واحِدَةً صاحها عليهم جبريل عليه السلام فلم يكن لهم بصيحته هذه التي هي واحدة طاقة ، كما قال تعالى فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ وهو الذي يجعل لغنمه حظيرة من يابس الشجر والشوك يحفظهنّ فيها من الذئاب والسباع ، وما