الخطيب الشربيني

135

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

مفعول لهما في هذا الموضع لأنهما سيقا لقدرة الله تعالى لا لبيان المقدور فلا حاجة إلى المفعول كقول القائل : فلان بيده الأخذ والعطاء يعطي ويمنع ، ولا يريد ممنوعا ومعطى واختار هذين الموضعين المذكورين لأنهما أمران لا يعللان فلا يقدر أحد من الطبائعيين يبين لاختصاص الإنسان بالضحك والبكاء وجها ولا سببا ، وإذا لم يعلل بأمر فلا بدّ له من موجد وهو الله تعالى بخلاف الصحة والسقم فإنهم يقولون : سببهما اختلال المزاج وخروجه عن الاعتدال ومما يدل على ذلك أنهم إذا عللوا الضحك قالوا : لقوّة التعجب وهو باطل ، لأنّ الإنسان ربما بهت عند رؤية الأمور العجيبة ولا يضحك وقيل : لقوّة الفرح وليس كذلك لأنّ الإنسان قد يبكي لقوّة الفرح كما قال بعضهم « 1 » : هجم السرور عليّ حتى أنه * من عظم ما قد سرني أبكاني وَأَنَّهُ هُوَ أي : لا غيره أَماتَ وَأَحْيا وإن رأيتم أسبابا ظاهرة فإنها لا عبرة بها في نفس الأمر بل هو الذي خلقها أي أمات في الدنيا وأحيا في البعث وقال القرطبي : قضى أسباب الموت والحياة وقيل : أمات الآباء وأحيا الأبناء وقيل : أمات الكافر بالكفر وأحيا المؤمن بالإيمان . وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ ثم فسرهما بقوله تعالى : الذَّكَرَ وَالْأُنْثى فإنه لو كان ذلك في يد غيره لمنع البنات لأنها مكروهة لغالب الناس . وقوله تعالى : مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى أي : تصب يشمل سائر الحيوانات لا أن ذلك مختص بآدم وحوّاء عليهما السلام ، لأنهما ما خلقا من نطفة ، وهذا أيضا تنبيه على كمال القدرة لأنّ النطفة جسم متناسب الأجزاء ويخلق الله تعالى منها أعضاء مختلفة وطباعا متباينة ، وخلق الذكر والأنثى منها أعجب ما يكون ولهذا لم يقدر أحد على أن يدعي خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم قال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ الزخرف : 87 ] وقال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ لقمان : 25 ] . فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى : وَأَنَّهُ خَلَقَ ولم يقل وأنه هو خلق كما قال تعالى : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى أجيب بأن الضحك والبكاء ربما يتوهم أنهما بفعل الإنسان ، والإماتة والإحياء وإن كان ذلك التوهم أبعد فيهما لكن ربما يقول به جاهل كما قال من حاج إبراهيم عليه السلام أنا أحيي وأميت فأكد ذلك بالفصل ، وأما خلق الذكر والأنثى من النطفة فلا يتوهم أحد أنه بخلق أحد من الناس فلم يؤكد بالفصل ألا ترى إلى قوله تعالى : وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى [ النجم : 48 ] حيث كان الإغناء عندهم غير مستند إلى الله تعالى ، وكان في معتقدهم أن ذلك بفعلهم كما قال قارون : إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [ القصص : 78 ] ولذلك قال : هُوَ رَبُّ الشِّعْرى [ النجم : 49 ] فأكد في مواضع استبعادهم إلى الإسناد ولم يؤكد في غيره . وَأَنَّ عَلَيْهِ أي : خاصا به علما وقدرة النَّشْأَةَ أي الحياة الْأُخْرى للبعث يوم القيامة بعد الحياة الأولى فإن قيل : الإعادة لا تجب على الله تعالى فما معنى عليه ؟ أجيب : بأنه عليه بحكم الوعد فإنه قال : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى [ يس : 12 ] فعليه بحكم الوعد لا بالعقل ولا بالشرع ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الشين وبعدها ألف ممدودة قبل الهمزة والباقون بسكون الشين

--> ( 1 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي .