الخطيب الشربيني

133

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

ينفع في المحيا والممات كما جاء في الأثر وهذا انتفاع بعمل الغير . سادس عشرها : أنّ جليس أهل الذكر يرحم بهم وهو لم يكن منهم ولم يجلس لذلك بل لحاجة عرضت له والأعمال بالنيات فقد انتفع بعمل غيره . سابع عشرها : الصلاة على الميت والدعاء له في الصلاة انتفاع للميت بصلاة الحيّ عليه وهو عمل غيره . ثامن عشرها : أنّ الجمعة تحصل باجتماع العدد وكذلك الجماعة بكثرة العدد وهو انتفاع للبعض بالبعض . تاسع عشرها : أنّ الله تعالى قال لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [ الأنفال : 33 ] وقال تعالى : وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ [ الفتح : 25 ] وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [ البقرة : 251 ] فقد دفع الله تعالى العذاب عن بعض الناس بسبب بعض وذلك انتفاع بعمل الغير . عشروها : أنّ صدقة الفطر تجب عن الصغير وغيره ممن يمونه الرجل فينتفع بذلك من يخرج عنه ولا سعي لهما . حادي عشريها : أنّ الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون ويثاب على ذلك ولا سعي له ومن تأمّل العلم وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى ، فكيف يجوز أن تتأوّل الآية على خلاف صريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة . والمراد بالإنسان العموم وقال الربيع بن أنس : ليس للإنسان يعني الكافر : وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له وقيل : ليس للكافر من الخير إلا ما عمله يثاب عليه في الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة خير ، وروي « أنّ عبد الله بن أبي كان أعطى العباس قميصا ألبسه إياه فلما مات أرسل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قميصه ليكفن فيه فلم تبق له حسنة في الآخرة يثاب عليها » . وَأَنَّ سَعْيَهُ أي : من خير وشر سَوْفَ يُرى أي : في ميزانه من غير شك يوم القيامة بوعد لا خلف فيه وإن طال المدى ، من : أريته الشيء ، أي : يعرض عليه ويكشف له . فإن قيل : العمل كيف يرى بعد وجوده ومضيه ؟ أجيب : بأنه يرى على صورة جميلة إن كان العمل صالحا قال الرازي وذلك على مذهبنا غير بعيد ، فإن كل موجود يرى والله تعالى قادر على إعادة كل ما عدم فيعيد الفعل فيرى ، وفيه بشارة للموحد وذلك أنّ الله تعالى يريه أعماله الصالحة ليفرح بها ويحزن الكافر بأعماله الفاسدة فيزداد غما . ثُمَّ يُجْزاهُ أي : السعي الْجَزاءَ الْأَوْفى أي : الأتمّ الأكمل والمعنى : أنّ الإنسان يجزى جزاء سعيه بالجزاء الأوفى يقال : جزيت فلانا سعيه وبسعيه . قال الرازي : الجزاء الأوفى يليق بالمؤمنين الصالحين ، لأنّ جزاء الطالح وافر قال تعالى : مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً [ الإسراء : 63 ] وذلك أن جهنم ضررها أكثر من نفع الآثام فهي في نفسها أوفر . وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ أي : المحسن إليك لا إلى غيره الْمُنْتَهى أي : الانتهاء برجوع الخلائق ومصيرهم إليه فيجازيهم بأعمالهم وقيل : منه ابتداء المنة وإليه انتهاء الآمال ، وروى أبو هريرة مرفوعا « تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق فإنّ الله تعالى لا يحيط به الفكر » « 1 » وفي رواية « لا تتفكروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره » « 2 » .

--> ( 1 ) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 1 / 162 ، والسيوطي في الدر المنثور 2 / 110 ، 6 / 130 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 5706 . ( 2 ) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 10 / 160 ، 182 ، والربيع بن حبيب في مسنده 3 / 17 .