الخطيب الشربيني

131

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه فقال عبد الله : أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن العطاء فنزلت . وقوله تعالى : أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ أي : ما غاب هو المفعول الثاني لرأيت بمعنى أخبرني ، والمفعول الأوّل محذوف اقتصارا لأعطى فَهُوَ أي : فتسبب عن ذلك أنه يَرى أي : يعلم أنّ صاحبه يتحمل عنه ذنوبه . أَمْ أي : بل لَمْ يُنَبَّأْ أي : يخبر أخبارا عظيما متتابعا بِما فِي صُحُفِ مُوسى أي : التوراة المنسوبة إليه بإنزالها عليه ، وكذا ما تبعها من أسفار الأنبياء الذين جاؤوا بعده بتقريرها . وقدم صحف موسى عليه السلام على قوله : وَإِبْراهِيمَ أي : وصحفه لأنّ كتاب موسى عليه السلام أعظم كتاب بعد القرآن مع أنه موجود بين الناس تمكن مراجعته ، ثم مدح إبراهيم عليه السلام بقوله تعالى : الَّذِي وَفَّى أي : أتم ما أمر به من ذلك تبليغ الرسالة واستقلاله بأعباء النبوة وقيامه بأضيافه وخدمتهم إياه بنفسه ، وإنه كان يخرج كل يوم فيمشي فرسخا يرتاد ضيفا فإن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم وعن الحسن : ما أمر الله تعالى بشيء إلا وفى به وصبر على ما امتحن به ، وما قلق شيئا من قلق وصبر على حر ذبح الولد وعلى حر النار ولم يستعن بمخلوق بل قال لجبريل عليه السلام لما قال له : ألك حاجة قال : أما إليك فلا وقال الضحاك : وفي المناسك ، وروي عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « إبراهيم الذي وفى أربع ركعات من أول النهار » « 1 » وهي صلاة الضحى وروي « ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفي كان يقول إذا أصبح وأمسى : فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى تظهرون » « 2 » وقيل : وفى سهام الإسلام وهي ثلاثون عشرة في التوبة التَّائِبُونَ . . . [ التوبة : 112 ] ، وعشرة في الأحزاب إِنَّ الْمُسْلِمِينَ . . . [ الأحزاب : 35 ] ، وعشرة في المؤمنون ، قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [ المؤمنون : 1 ] وخص هذين النبيين لأنّ الموعودين من بني إسرائيل اليهود والنصارى يدعون متابعة موسى عليه السلام ، ومن العرب يدعون متابعة إبراهيم عليه السلام ومن عداهم لا متمسك لهم ولا سلف في نبوّة محققة ولا شريعة محفوظة ، وقرأ هشام بفتح الهاء وألف بعدها والباقون بكسر الهاء وياء بعدها . ثم فسر تعالى الذي في الصحف واستأنف بقوله تعالى : أَلَّا تَزِرُ أي : تأثم وتحمل وازِرَةٌ أي : نفس بلغت مبلغا تكون فيه حاملة لوزر وِزْرَ أُخْرى أي : حملها الثقيل من الإثم ، وفي هذا إبطال قول من ضمن للوليد بن المغيرة أن يحمل عنه الإثم ، وروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كانوا قبل إبراهيم عليه السلام يأخذون الرجل بذنب غيره ، وكان الرجل يقتل بقتل أبيه وابنه وأخيه وعمه وخاله وامرأته والعبد بسيده ، حتى جاءهم إبراهيم عليه السلام فنهاهم عن ذلك وبلغهم عن الله عز وجل أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى . ولما نفى أن يضرّه إثم غيره نفي أن ينفعه سعي غيره بقوله تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ كائنا من كان إِلَّا ما سَعى فلا بد أن يعلم الحق في أي جهة فيسعى فيه ودعاء المؤمنين للمؤمن من

--> ( 1 ) أخرجه البغوي في تفسيره 6 / 268 ، والقرطبي في تفسيره 17 / 113 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 3 / 439 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 10 / 117 ، والطبري في تفسيره 27 / 43 ، والقرطبي في تفسيره 17 / 113 .