الخطيب الشربيني

122

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

« ذهب ، ورأيت على كلّ ورقة ملكا قائما يسبح الله تعالى وذلك قوله عز من قائل : إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى » « 1 » وقيل : ملائكة تغشاها كأنهم طيور يرتقون إليها متشوقين متبركين بها زائرين كما يزور الناس الكعبة وروي في حديث المعراج عن أنس أنّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة ، وإذا ثمرها كقلال هجر قال : فلما غشيها من أمر الله تعالى ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله تعالى يقدر أن ينعتها من حسنها ، فأوحى إلي ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة » « 2 » . وقيل : يغشاها أنوار الله تعالى ، لأنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لما وصل إليها تجلى ربه لها كما تجلى للجبل فظهرت الأنوار ، ولكن السدرة كانت أقوى من الجبل وأثبت فجعل دكا ولم تتحرّك الشجرة وخر موسى عليه السلام صعقا ولم يتزلزل محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقيل : أبهمه تعظيما له والغشيان يكون بمعنى التغطية قال الماوردي في معاني القرآن : فإن قيل : لم اختيرت السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجر قلنا : لأنّ السدرة تختص بثلاثة أوصاف : ظلّ مديد وطعم لذيذ ورائحة ذكية ، فشابهت الإيمان الذي يجمع قولا وعملا ونية فظلها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوره ، وطعمها بمنزلة النية لكمونه ، وريحها بمنزلة القول لظهوره ، وروى أبو داود عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « من قطع سدرة صوب الله تعالى رأسه في النار » « 3 » وسئل أبو داود عن معنى هذا الحديث فقال : هو مختصر يعني : من قطع سدرة في فلاة يستظلّ بها ابن السبيل والبهائم ، عبثا وظلما بغير حق يكون له فيها ، صوب الله تعالى رأسه في النار . ثم أكد سبحانه الرؤية وقرّرها بقوله تعالى ما زاغَ أي : ما مال أدنى ميل الْبَصَرُ أي الذي لا بصر لمخلوق أكمل منه فما قصر عن النظر إلى ما أذن له فيه وما زاد وَما طَغى أي : تجاوز الحد إلى ما لم يؤذن له فيه ، مع أنّ ذاك العالم غريب عن بني آدم وفيه من العجائب ما يحير الناظر ، بل كانت له الصفة الصادقة المتوسطة بين الشره والزهادة على أتم قوانين العدل فأثبت ما رآه على حقيقته ، وكما هو قال السهروردي في أول الباب الثاني والثلاثين من عوارفه : وأخبر تعالى بحسن أدبه في الحضرة بهذه الآية وهذه غامضة من غوامض الأدب اختص بها رسول الله صلى اللّه عليه وسلم . تنبيه : اللام في البصر تحتمل وجهين : أحدهما : المعروف أي ما زاغ بصر محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وعلى هذا إن قيل بأنّ الغاشي للسدرة هو الجراد والفراش فمعناه لم يلتفت إليه ولم يشتغل به ولم يقطع نظره عن مقصوده فيكون غشيان الجراد والفراش ابتلاء وامتحانا لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وإن قيل إنّ الغاشي أنوار الله تعالى ففيه وجهان : أحدهما : لم يلتفت يمنة ولا يسرة بل اشتغل بمطالعتها . الثاني : ما زاغ البصر بصعقه بخلاف موسى عليه السلام فإنه قطع النظر وغشي عليه ، ففي الأوّل بيان أدب محمد صلى اللّه عليه وسلم وفي الثاني بيان قوّته . الوجه الثاني : أنّ اللام لتعريف الجنس أي ما زاغ بصره أصلا في ذلك الموضع لعظم هيبته

--> ( 1 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي . ( 2 ) أخرجه البخاري في المناقب حديث 3887 . ( 3 ) أخرجه أبو داود في الأدب حديث 5239 .