الخطيب الشربيني

11

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

مصارينهم ، فخرجت من أدبارهم وهو جمع معي بالقصر وألفه عن ياء لقولهم معيان . وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ أي : في خطب الجمعة ، وهم المنافقون والضمير في قوله تعالى وَمِنْهُمْ يحتمل أن يعود إلى الناس كما قال تعالى في سورة البقرة وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ [ البقرة : 8 ] بعد ذكر الكفار ويحتمل أن يعود إلى أهل مكة ؛ لأنّ ذكرهم سبق في قوله تعالى هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ ويحتمل أن يرجع إلى معنى قوله تعالى هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً أي : ومن الخالدين في النار قوم يستمعون إليك حَتَّى إِذا أي : واستمر جهلهم لأنفسهم في الإصغاء حتى إذا خَرَجُوا أي : المستمعون والسامعون مِنْ عِنْدِكَ قالُوا أي : الفريقان تعاميا واستهزاء . لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بسبب تهيئة الله تعالى لهم من صفاء الأفهام بتجردهم عن النفوس والحظوظ ، وانقيادهم لما تدعو إليه الفطرة الأولى . منهم ابن مسعود وابن عباس ما ذا قالَ أي : النبيّ صلى اللّه عليه وسلم آنِفاً أي : قبل افتراقنا وخروجنا عنه روى مقاتل : « أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان يخطب ويعيب المنافقين فإذا خرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود استهزاء ماذا قال محمد آنفا » « 1 » أي الساعة ، أي : لا نرجع إليه وقرأ البزي بقصر الهمزة بخلاف عنه والباقون بالمدّ وهما لغتان بمعنى واحد وهما اسما فاعل كحاذر وحذر ، أُولئِكَ أي : البعداء من كل خير الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ أي : الملك الأعظم عَلى قُلُوبِهِمْ أي : بالكفر فلم يفهموا فهم انتفاع ؛ لأنّ مثل هذا الجمود لا يكون إلا بذلك وَاتَّبَعُوا أي : بغاية جهدهم أَهْواءَهُمْ أي : في الكفر والنفاق ، فلذلك هم يتهاونون بأعظم الكلام ، ويقبلون على جمع الحطام ، فهم أهل النار المشار إليهم قبل آية مَثَلُ الْجَنَّةِ بأنهم ( زين لهم سوء عملهم ) . ثم ذكر تعالى أضداد هؤلاء . بقوله سبحانه : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا أي : اجتهدوا باستماعهم منك في الإيمان ، والتسليم والإذعان بأنواع المجاهدات وهم المؤمنون . زادَهُمْ أي : الله الذي طبع على قلوب الكفرة ، هُدىً بأن شرح صدورهم ، ونورها بأنوار المشاهدات ، فصارت أوعية للحكمة وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ أي : ألهمهم ما يتقون به النار ، قال ابن برجان : التقوى عمل الإيمان كما أن أعمال الجوارح عمل الإسلام . فَهَلْ أي : ما يَنْظُرُونَ أي : ينتظرون وجودها إشارة إلى شدة قربها . إِلَّا السَّاعَةَ وقوله تعالى : أَنْ تَأْتِيَهُمْ أي : الكافرين بدل اشتمال من الساعة أي : ليس الأمر إلا أن تأتيهم بَغْتَةً أي : فجأة من غير شعور بها ، ولا استعداد لها . وقوله تعالى : فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها جمع شرط بسكون الراء وفتحها قال أبو الأسود « 2 » : فإن كنت قد أزمعت بالصرم بيننا * فقد جعلت أشراطا وله تبدو والأشراط : العلامات ومنه أشراط الساعة وأشرط الرجل نفسه أي ألزمها أمورا قال أوس « 3 » : فأشرط فيها نفسه وهو يقسم * فألقى بأسباب له وتوكلا

--> ( 1 ) انظر البغوي في تفسيره 4 / 213 . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان أبي الأسود الدؤلي ص 213 . ( 3 ) البيت من الطويل ، وهو لأوس بن حجر في ديوانه ص 87 ، ولسان العرب ( شرط ) ( عصم ) ، وجمهرة اللغة ص 726 ، وكتاب العين 6 / 236 .