الخطيب الشربيني
91
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
ميت وكل جديد بال ، وصاح خطاف فقال : أتدرون ما يقول قالوا : لا قال فإنه يقول : قدّموا خيرا تجدوه ، وهدرت حمامة فقال : أتدرون ما تقول ؟ قالوا : لا ، قال فإنها تقول : سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه ، وصاح قمري فقال : أتدرون ما يقول قالوا : لا ، قال : فإنه يقول سبحان ربي الأعلى ، قال والغراب يدعو على العشار ، والحدأة تقول كل شيء هالك إلا الله ، والقطاة تقول من سكت سلم ، والببغاء تقول ويل لمن الدنيا همه والضفدع يقول سبحان رب القدّوس ، ويقول أيضا سبحان ربي المذكور بكلّ لسان ، والباز يقول سبحان ربي وبحمده ، وعن مكحول قال : صاح دراج عند سليمان فقال أتدرون ما يقول هذا ؟ قالوا : لا قال : فإنه يقول : الرحمن على العرش استوى . وروي عن فرقد السبخيّ قال مرّ سليمان على بلبل فوق شجرة يحرّك رأسه ويميل ذنبه فقال لأصحابه أتدرون ما يقول هذا البلبل ؟ قالوا الله ونبيه أعلم قال يقول أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء : وهو بالفتح والمدّ التراب ، وقال أبو عبيد : هو الدروس ، وفي حديث صفوان : « إذا دخلت بيتي فأكلت رغيفا وشربت عليه فعلى الدنيا العفاء » ، وروي أنّ جماعة من اليهود قالوا لابن عباس إنا سائلوك عن سبعة أشياء فإن أخبرتنا آمنا وصدّقنا ، قال : اسألوا تفقها ولا تسألوا تعنتا ، قالوا : أخبرنا ما يقول القنبر في صفيره والديك في صعيقه والضفدع في نعيقه والحمار في نهيقه والفرس في صهيله وما يقول الزرزور والدرّاج ، قال نعم أمّا القنبر فيقول : اللهمّ العن مبغضي محمد وآل محمد ، وأمّا الديك فيقول : اذكروا الله يا غافلين ، وأمّا الضفدع فيقول : سبحان المعبود في لجج البحار ، وأمّا الحمار فيقول : اللهمّ العن العشار ، وأمّا الفرس فيقول : إذا التقى الصفان سبوح قدّوس رب الملائكة والروح ، وأما الزرزور فيقول : اللهمّ إني أسألك قوت يوم بيوم يا رزاق ، وأمّا الدراج فيقول : الرحمن على العرش استوى قال : فأسلم اليهود وحسن إسلامهم . ويروى عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جدّه عن الحسين بن عليّ قال : إذا صاح النسر قال : ابن آدم عش ما شئت آخره الموت ، وإذا صاح العقاب قال : في البعد من الناس أنس ، وإذا صاح القنبر قال : إلهي العن مبغضي آل محمد ، وإذا صاح الخطاف قرأ : الحمد لله رب العالمين ويمدّ ولا الضالين كما يمدّ القارئ . وقول سليمان عليه السّلام وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي : تؤتاه الأنبياء والملوك ، قال ابن عباس من أمر الدنيا والآخرة ، وقال مقاتل : يعني النبوّة والملك وتسخير الجنّ والإنس والرياح إِنَّ هذا أي : الذي أوتيناه لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ أي : البين في نفسه لكلّ من ينظره الموضح لعلوّ قدر صاحبه ، روي أنّ سليمان أعطي ملك مشارق الأرض ومغاربها فملك أربعين سنة وستة أشهر جميع أهل الدنيا من الجنّ والأنس والدواب والطير والسباع وأعطى مع ذلك منطق الطير ، وفي زمانه صنعت الصنائع العجيبة ، فقوله : إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ تقرير لقوله الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا والمقصود منه الشكر والحمد ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلم : « أنا سيد ولد آدم ولا فخر » « 1 » ، فإن قيل : كيف قال علمنا وأوتينا وهو كلام المتكبر ؟ أجيب بوجهين : الأوّل : أنه يريد نفسه وأباه كما مرّ ، الثاني : أنّ هذه النون يقال لها نون الواحد المطاع وكان ملكا مطاعا .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الفضائل حديث 3 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 3148 ، والمناقب حديث 3615 ، وابن ماجة في الزهد حديث 3408 ، وأحمد في المسند 1 / 281 ، 3 / 2 .