الخطيب الشربيني

88

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

في النار هم الملائكة ، وذلك أنّ النور الذي رآه موسى عليه السّلام كان فيه الملائكة لهم زجل بالتسبيح والتقديس ومن حولها هو موسى لأنه كان بالقرب منها ولم يكن فيها ، وقال سعيد بن جبير : كانت النار بعينها والنار إحدى حجب الله تعالى ، كما جاء في الحديث : « حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه » « 1 » الحديث . تنبيه : بارك يتعدّى بنفسه وبحرف الجرّ يقال باركك الله وبارك عليك وبارك فيك وبارك لك ، وقال الشاعر « 2 » : فبوركت مولودا وبوركت ناشئا * وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب قال الزمخشريّ : والظاهر أنه عامّ في كل من في تلك الأرض وفي ذلك الوادي وحواليهما من أرض الشأم ، ولقد جعل الله تعالى أرض الشأم الموسومة بالبركات لكثرتها مبعث الأنبياء ، وكفاتهم أحياء وأمواتا ، ومهبط الوحي عليهم ، وخصوصا تلك البقعة التي كلم الله فيها موسى عليه السّلام وقوله تعالى وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ من تمام ما نودي به لئلا يتوهم من سماع كلامه تشبيها ، وللعجب من عظمة الله في ذلك الأمر فإنه أتاه النداء ، كما ورد من جميع الجهات فسمعه بجميع الحواس ، أو تعجب من موسى لما دعاه من عظمته . ولما تشوفت النفس إلى تحقق الأمر تصريحا ، قال تعالى تمهيدا لما أراد سبحانه إظهاره على يد موسى عليه السّلام من المعجزات الباهرات : يا مُوسى إِنَّهُ أي : الشأن العظيم الجليل الذي لا يبلغ وصفه ، وجملة أَنَا اللَّهُ أي : البالغ في العظمة ما تقصر عنه الأوهام ، مفسرة له ، أو المتكلم ، وأنا خبر ، والله بيان له ، ثم وصف تعالى نفسه بوصفين يدلان على ما يفعله مع موسى عليه السّلام : أحدهما : الْعَزِيزُ أي : الذي يصل إلى سائر ما يريد ولا يرده عن مراده راد ، والثاني : الْحَكِيمُ أي : الذي يفعل كل ما يفعله بحكمة وتدبير . فإن قيل : هذا النداء يجوز أن يكون من عند غير الله تعالى ، فكيف علم موسى أنه من الله تعالى ؟ أجيب : بأنه سمع الكلام المنزه عن شائبة كلام المخلوقين لأنّ النداء أتاه من جميع الجهات وسمعه بجميع الحواس كما مر ، فعلم بالضرورة أنه صفة الله سبحانه وتعالى . ثم أرى الله سبحانه وتعالى موسى عليه السّلام آية تدلّ على قدرته ليعلم علم شهود وهي قوله تعالى : وَأَلْقِ عَصاكَ فألقاها كما مرّ فصارت في الحال ، كما آذنت به الفاء حية عظيمة جدّا ، ومع كونها في غاية العظم في نهاية الخفة والسرعة في اضطرابها عند محاولتها ما تريد فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ أي : تضطرب في تحرّكها مع كونها في غاية الكبر كَأَنَّها جَانٌّ أي : حية صغيرة في خفتها وسرعتها فلا ينافي ذلك كبر جثتها وَلَّى أي : موسى عليه السّلام ثم إنّ التولية مشتركة بين معان ، فلذا بين المراد منها بقوله تعالى : مُدْبِراً أي : التفت هاربا منها مسرعا جدّا لقوله تعالى : وَلَمْ يُعَقِّبْ أي : لم يرجع على عقبه ولم يلتفت إلى ما وراءه بعد توليه . تنبيه : قال الزمخشري : وألق عصاك معطوف على بورك لأنّ المعنى نودي أن بورك من في النار وأن ألق عصاك كلاهما تفسير لنودي ، والمعنى قيل : له : بورك من في النار ، وقيل له : ألق

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 179 . ( 2 ) البيت لم أجده في المصادر والمراجع التي بين يدي .