الخطيب الشربيني

74

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

للرسالة مبالغة في تكذيبه ، ولهذا قالوا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ أي : في دعواك . تنبيه : مذهب البصريين أنّ إِنْ هذه هي المخففة من الثقيلة ، أي : وإنا نظنك ، والذي يقتضيه السياق ترجيح مذهب الكوفيين هنا في أنّ إِنْ نافية ، فإنهم أرادوا بإثبات الواو في وما أنت المبالغة في نفي إرساله بتعداد ما ينافيه ، فيكون مرادهم أنه ليس لنا ظنّ يتوجه إلى غير الكذب ، وهو أبلغ من إثبات الظنّ به . ثم إنّ شعيبا عليه السّلام كان توعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا فقالوا : فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً أي : قطعا مِنَ السَّماءِ أي : السحاب أو الحقيقة إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ أي : العريقين في الصدق المشهورين فيما بين أهله لنصدّقك فيما لزم من أمرك لنا باتخاذ الوقاية من العذاب . تنبيه : انظر إلى حسن نظر شعيب عليه السّلام كيف هدّدهم بما لله عليهم من القدرة في خلقهم وخلق من كانوا أشدّ منهم قوة وإهلاكهم بأنواع العذاب لما عصوه بتكذيب رسلهم ، وقرأ حفص بفتح السين ، والباقون بالسكون وهنا همزتان مكسورتان فقالون والبزي يسهل الهمزة الأولى من المدّ والقصر ، وأسقطها أبو عمرو مع المدّ ، والباقون بتحقيق الأولى . قالَ لهم شعيب في جوابهم رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ فيجازيكم به فإن شاء عجل لكم العذاب ، وإن شاء أخره إلى أجل معلوم ، وأمّا أنا فليس عليّ إلا البلاغ ، وأنا مأمور به فلم أخوّفكم من نفسي ولا ادعيت قدرة على عذابكم فطلبكم ذلك مني مضموم إلى ظلمكم بالتكذيب . فَكَذَّبُوهُ أي : استمرّوا على تكذيبه فَأَخَذَهُمْ أي : فتسبب عن تكذيبهم أن أخذهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ وهي سحابة على نحو ما طلبوا من قطع السماء ، روي أنّ الله تعالى حبس عنهم الريح سبعا وتسلط عليهم الرمض : وهو شدّة الحرّ مع سكون الريح فأخذ بأنفاسهم لا ينفعهم ظل ولا ماء ولا شراب ، فاضطروا إلى أن خرجوا إلى البرية فأظلتهم سحابة وجدوا لها بردا ونسيما فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا ، وروي أن شعيبا بعث إلى أمّتين أصحاب مدين وأصحاب الأيكة ، فأهلكت مدين بصيحة جبريل ، وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وقدمنا أن تعظيم اليوم أبلغ من تعظيم العذاب . إِنَّ فِي ذلِكَ أي : الأمر العظيم من الإنجاء المطرد لكلّ رسول ومن أطاعه والأخذ المطرد لمن عصاه في كل عصر بكل قطر بحيث لا يشذ من الفريقين إنسان قاص ولا دان لَآيَةً أي : دلالة واضحة عظيمة على صدق الرسل وأن يكونوا جديرين بتصديق العباد لهم في جميع ما قالوه من البشائر والنذائر ، بأن الله تعالى يهلك من عصاه وينجي من والاه لأنه الفاعل المختار لما يريد وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ أي : أكثر قومك كما كان من قبلهم مُؤْمِنِينَ مع أنك قد أتيت قومك بما لا يكون معه شك لو لم يكن لهم بك معرفة قبل ذلك ، فكيف وهم عارفون بأنك كنت قبل الرسالة أصدقهم لهجة وأعظمهم أمانة وأغزرهم عقلا وأعلاهم همة وأبعدهم عن كل ذي دنس . وَإِنَّ رَبَّكَ أي : المحسن إليك بكل ما يعلي شأنك ويوضح برهانك لَهُوَ الْعَزِيزُ فلا يعجزه أحد الرَّحِيمُ بالإمهال لكي يؤمنوا أو أحد من ذرّيتهم : وهذا آخر القصص السبع المذكورة على سبيل الاختصار تسلية لرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، وتهديدا للمكذبين له . فإن قيل : كيف كرّر في هذا السورة في أول كل قصة وآخرها ما كرّر ؟ . أجيب : بأنّ كل قصة منها كتنزيل برأسه وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها ، فكانت كل