الخطيب الشربيني
732
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الذين فيهم قوة القيام بما يحاولونه مُنْذِرِينَ أي مخوفين لهم ومحذرين عواقب الضلال بأمر من رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال ابن عباس جعلهم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم رسلا إلى قومهم . ولما كان كأنه قيل ما قالوا لهم في إنذارهم ؟ قيل : [ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 30 إلى 35 ] قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ( 30 ) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 31 ) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 32 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 33 ) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 34 ) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ ( 35 ) قالُوا يا قَوْمَنا مترققين لهم ، ومترفقين بهم بذكر ما يدل على أنهم منهم ، يهمهم ما يهمهم إِنَّا سَمِعْنا أي : ما بيننا وبين القارئ واسطة . وأشاروا إلى أنه لم ينزل بعد التوراة شيء جامع لجميع ما يراد منه ، مغن عن جميع الكتب غير هذا . وبذلك عرفوا أنه ناسخ لجميع الشرائع بقولهم : كِتاباً أي : ذكرا جامعا ، لا كما نزل بعد التوراة على بني إسرائيل أُنْزِلَ أي : ممن لا منزل غيره ، وهو ملك الملوك لأنّ عليه من رونق الكتب الإلهية ما يوجب القطع لسامعه بأنه منها ، فكيف إذا انضم إلى ذلك الإعجاز ؟ وعلموا قطعا بعربيته أنه عربي ، وبأنهم كانوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها ويسمعون قراءة الناس لما يحدثونه من الحكم والخطب والكهانة والرسائل والأشعار ، وأنه مباين لجميع ذلك مِنْ بَعْدِ مُوسى فلم يقتدوا بما أنزل بين هذا الكتاب وبين التوراة ، من الإنجيل وما قبله ، لأنه لا يساوي التوراة في الجمع ، وروي عن عطاء والحسن : إنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يهودا . « وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ الجنّ ما سمعوا أمر عيسى ، فلذلك قالوا من بعد موسى » . ولما أخبروا بأنه منزل ، أتبعوه ما يشهد له بالصحة بقولهم : مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي : من جميع كتب بني إسرائيل الإنجيل وما قبله ، ثم بينوا تصديقه بقولهم : يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ الأمر الثابت الذي يطابق الواقع ، فلا يقدر أحد على إزالة شيء مما يخبر به الكامل في جميع ذلك وَإِلى طَرِيقٍ موصل إلى المقصود مُسْتَقِيمٍ لا عوج فيه يا قَوْمَنا الذين لهم قوة العلم والعمل أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ أي : الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال . فإن دعوة هذا الداعي عامة لجميع الخلق ، فالإجابة واجبة على كل من بلغه أمره وفي هذه الآية دلالة على أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان مبعوثا إلى الجن ، كما كان مبعوثا إلى الإنس وَآمِنُوا بِهِ أي : أوقعوا التصديق بسبب الداعي ، وهو النبي صلّى اللّه عليه وسلم لا بسبب آخر فإن المفعول معه مفعول مع الله تعالى . فإن قيل قوله تعالى : أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ أمر بإجابته في كل ما أمر به فيدخل فيه الأمر بالإيمان فكيف قال وآمنوا به ؟ ! أجيب بأنه إنما ذكر الإيمان على التعيين ، لأنه أهمّ الأقسام وأشرفها وقد جرت العادة في القرآن العظيم بأن يذكر اللفظ العام ، ثم يعطف عليه أشرف أنواعه ، كقوله تعالى وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [ البقرة : 98 ] وقوله تعالى وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ