الخطيب الشربيني

724

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وقيل : في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه ؛ كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام ، وهو يأبى ، وهو قوله أُفٍّ لَكُما وقال الحسن وقتادة : إنها نزلت في كل كافر عاق لوالديه وعلى ثبوت أنها نزلت فيمن تقدم ، لا ينافي أن المراد الجنس ، فإنّ خصوص السبب لا يوجب التخصيص وفي أُفٍّ قراءات ذكرت في سورة بني إسرائيل أَ تَعِدانِنِي أي : على سبيل الاستمرار بالتجديد في كل وقت وقرأ هشام بإدغام النون الأولى في الثانية وفتح الياء نافع وابن كثير وسكنها الباقون . أَنْ أُخْرَجَ أي : من مخرج ما يخرجني من الأرض بعد أن غبت فيها وصرت ترابا يحييني كما كنت أوّل مرّة وَقَدْ أي : والحال أنه قد خَلَتِ أي : مضت على سنن الموتى الْقُرُونُ أي : الأمم الكثيرة مع صلابتهم مِنْ قَبْلِي أي : قرنا بعد قرن ، وتطاولت الأزمان ، ولم يخرج منهم أحد من القبور وَهُما أي : والحال أنهما كلما قال لهما ذلك يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ أي : يطلبان بدعائهما من له جميع صفات الكمال أن يغيثهما بإلهامه قبول كلامهما ويقولان إن لم ترجع وَيْلَكَ أي : هلاكك بمعنى : هلكت آمِنْ أي : أوقع الإيمان الذي لا إيمان غيره ، وهو الذي ينقذ من كل هلكة ، ويوجب كل فوز ، بالتصديق بالبعث وبكل ما جاء عن الله تعالى . ثم علّلا أمرهما على هذا الوجه مؤكدين في مقابلة إنكاره بقولهما : إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ أي : الملك المحيط بجميع صفات الكمال حق أي : ثابت أعظم ثبات ؛ لأنه لو لم يكن حقا لكان نقصا من جهة الإخلاف الذي لا يرضاه لنفسه أقل الملوك . فكيف بملك الملوك ؟ فَيَقُولُ مسببا عن قولهما ومعقبا له ما هذا أي : الذي تذكرانه من البعث إِلَّا أَساطِيرُ أي : أكاذيب الْأَوَّلِينَ التي كتبوها . أُولئِكَ أي البعداء من العقل والمروءة وكل خير . الَّذِينَ حَقَّ أي : ثبت ووجب عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي : الكامل في بابه ، بأنهم أسفل السافلين . وهذا كما قال البيضاوي يردّ على من قال : إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر ؛ لأنه يدل على أنه من أهلها لذلك وقد جبّ عنه إن كان لإسلامه وقال البقاعي : وهذا يكذب من قال : إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر فإنه أسلم وصار من أكابر الصحابة فحقت له الجنة ، ولما أثبت لهم هذه الشنعة بين كثرة من شاركهم فيها بقوله تعالى : فِي أي : كائنين في أُمَمٍ أي : خلائق كانوا بحيث يقصدهم الناس ، ويتبع بعضهم بعضا قَدْ خَلَتْ أي : تلك الأمم مِنْ قَبْلِهِمْ وكانوا قدوتهم وأدخل الجار ؛ لأنّ المحكوم عليه بعض السالفين مِنَ الْجِنِّ لأنّ العرب كانت تستعظمهم ، وتستجير بهم وذلك لأنهم يتظاهرون لهم ، ويؤذونهم ولم يقطع أذاهم لهم ، وتسلطهم عليهم ظاهرا وباطنا إلا القرآن : فإنه أحرقهم بأنواره ، وجلاهم عن تلك البلاد بتجلي آثاره وَالْإِنْسِ ولا نفعتهم كثرتهم ولا أغنت عنهم قوتهم وقوله تعالى إِنَّهُمْ أي : كلهم كانُوا أي : جبلة وطبعا وخلقا لا يقدرون على الانفكاك عنه خاسِرِينَ أي عريقين في هذا الوصف تعليل للحكم على الاستئناف . وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا قال ابن عباس : يريد من سبق إلى الإسلام فهو أفضل ممن تخلف عنه ولو ساعة وقال مقاتل : ولكل واحد من الفريقين يعنى البارّ بوالديه والعاق لهما درجات في الإيمان والكفر والطاعة والمعصية . فإن قيل كيف يجوز إطلاق لفظ الدرجات على أهل النار وقد روي « الجنة درجات والنار دركات » « 1 » أجيب من وجوه أحدها : أنّ ذلك على جهة التغليب وثانيها : قال ابن زيد : درج أهل

--> ( 1 ) أخرجه ابن كثير في تفسيره 1 / 571 .