الخطيب الشربيني
719
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
قال الرازي : وأكثر المحققين استبعدوا هذا القول من وجهين ؛ أحدهما : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لا بدّ وأن يعلم من نفسه ومتى علم كونه نبيا علم أنه لا تصدر عنه الكبائر ، وأنه مغفور له وإذا كان كذلك امتنع كونه شاكا في أنه هل هو مغفور له أو لا ثانيهما : أن الأنبياء أرفع حالا من الأولياء وقد قال تعالى في حقهم إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ الأحقاف : 13 ] فكيف يعقل أن يبقى الرسول الذي هو رئيس الأنبياء وقدوة الأولياء شاكا في أنه هل هو من المغفور لهم ؟ فثبت ضعف هذا القول . قُلْ يا أفضل الخلق لهؤلاء المصرّين على التكذيب أَ رَأَيْتُمْ أي : أخبروني إِنْ كانَ أي : هذا الذي أتيتكم به وهو القرآن مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي : الملك الأعظم . وَكَفَرْتُمْ بِهِ أي : أيها المشركون وَشَهِدَ شاهِدٌ واحد أو أكثر مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ أي : الذي جرت عادتكم أن تستفتوهم وتثقوا بهم عَلى مِثْلِهِ أي : مثل ما في القرآن من أنّ من وحد فقد آمن ومن أشرك فقد كفر وأن الله تعالى أنزل ذلك في التوراة والإنجيل وجميع أسفارهم فتطابقت عليه كتبهم وتضافرت به رسلهم ، وتواترت على الدعاء إليه والأمر به أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام فَآمَنَ أي : هذا الذي شهد هذه الشهادة وَاسْتَكْبَرْتُمْ أي : أوجدتم الكبر بالإعراض عنه طالبين بذلك الرياسة والفخر ، فكنتم بعد شهادة هذا الشاهد معاندين من غير شبهة فضللتم ، فوضعتم الشيء في غير موضعه ، فانسدّ عليكم باب الهداية . واختلف في هذا الشاهد فقال قتادة والضحاك وأكثر المفسرين : هو عبد الله بن سلام شهد بنبوّة المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم وآمن به ، واستكبرت اليهود فلم يؤمنوا به . كما روى أنس قال : سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، فأتاه فنظر إلى وجهه ، فعلم أنه ليس وجه كذاب ، وتأمّله فتحقق أنه النبيّ المنتظر ، فقال له : إنّي سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلا نبي : « ما أوّل أشراط الساعة ؟ وما أوّل طعام أهل الجنة ؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمّه ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلم : أخبرني بهنّ جبريل آنفا قال : جبريل ؟ قال : نعم قال : ذاك عدوّ اليهود من الملائكة فقرأ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ [ البقرة : 97 ] ثم قال : أما أول أشراط الساعة ، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب . وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت . وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزعه ، وإذا سبق ماء المرأة نزعته . فقال : أشهد أنك لرسول الله حقا . ثم قال : يا رسول الله إن اليهود قوم بهت وإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك فجاءت اليهود ، فقال لهم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، أيّ رجل عبد الله فيكم ؟ فقالوا : خيرنا وابن خيرنا ، وسيدنا وابن سيدنا ، وأعلمنا وابن أعلمنا ، قال أفرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام ؟ فقالوا : أعاذه اللّه من ذلك فخرج إليهم عبد اللّه فقال : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمدا رسول اللّه ، فقالوا : شرّنا وابن شرّنا ، وانتقصوه فقال : هذا ما كنت أخاف منه يا رسول الله « 1 » . قال سعد بن أبي وقاص : ما سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام ؟ وفيه نزلت هذه الآية وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ « 2 » [ الأحقاف : 10 ] وقيل : الشاهد هو موسى بن عمران قال الشعبي : قال
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء حديث 3329 ، ومناقب الأنصار حديث 3938 ، وأحمد في المسند 3 / 108 . ( 2 ) أخرجه البخاري في المناقب حديث 3812 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 2483 .