الخطيب الشربيني

717

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

بِما تُفِيضُونَ فِيهِ أي : بما تخوضون فيه من التكذيب بالقرآن والقول فيه بأنه سحر . كَفى بِهِ شَهِيداً أي : شاهدا بليغ الشهادة لأنه أعلم بجميع أحوالنا . بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي أن القرآن جاء من عنده فيشهد لي بالصدق ولكم بالكذب ، وقد شهد بصدقي بعجزكم عن معارضة شيء من هذا الكتاب الذي أتيت به فثبت بذلك أنه كلامه لأني أقدر على ما لا تقدرون عليه فرادى ولا مجتمعين ، وأنتم عرب مثلي ، بل وأنا أمّي وفيكم أنتم الكتبة ، والذين خالطوا العلماء ، وسمعوا أحاديث الأمم ، وضربوا بعد بلاد العرب في بلاد العجم ، فظهر بذلك ظهور الشمس أنكم كاذبون وَهُوَ أي : وحده الْغَفُورُ أي : الذي من شأنه أن يمحو الذنوب أعيانها وآثارها فلا يعاقب عليها ولا يعاتب الرَّحِيمُ أي : الذي يكرم بعد المغفرة ويتفضل بالتوفيق لما يرضيه قال الزجاج : هذا دعاء إلى التوبة ومعناه غفور لمن تاب منكم رحيم به . ولما حكى تعالى طعنهم في كون القرآن معجزا بقولهم : إنه يختلقه من عند نفسه ثم ينسبه إلى أنه كلام الله تعالى على سبيل الفرية حكى عنهم شبهة أخرى وهو أنهم كانوا يقترحون عليه معجزات عجيبة ، ويطالبونه بأن يخبرهم عن المغيبات ، فأجاب الله تعالى عن ذلك . بقوله عز وجل : [ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 9 إلى 14 ] قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 9 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 10 ) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ ( 11 ) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ ( 12 ) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 13 ) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 14 ) . قُلْ أي : لهؤلاء الذين نسبوك إلى الافتراء ما كُنْتُ أي : كونا مّا بِدْعاً أي : منشأ مبتدعا محدثا مخترعا ، بحيث أكون أجنبيا منقطعا مِنَ الرُّسُلِ أي : لم يتقدّم لي منهم مثال في أصل ما جئت به وهو التوحيد ومحاسن الأخلاق بل قد تقدّمني رسل كثيرون أتوا بمثل ما أتيت به ، ودعوا إليه كما دعوت إليه ، وصدّقهم الله تعالى بمثل ما صدّقني به . فثبت بذلك رسالتهم وسعد بهم من صدّقهم من قومهم وشقي من كذبهم فانظروا إلى آثارهم واسألوا عن سيرهم من أتباعهم وأنصارهم وأشياعهم . تنبيه : البدع والبديع من كل شيء : المبدأ والبدعة ؛ ما اخترع مما لم يكن موجودا قبله . وفي الحديث « كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار » « 1 » قال البقاعي معناه والله أعلم : أنه يبتدع ما يخالف السنة إذا كانت البدعة ضدّ السنة فإذا أحدث ما يخالفها كان بإحداثه ضالا مشركا وكان وما أحدث في النار . ولم يدخل تحت هذا ما يخترعه الإنسان من أفعال البّر يسمى بدعة لعدم فعله قبل ذلك فيخرج عما ذكر . ا . ه . وقال ابن عبد السلام : البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرّمة ومندوبة

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الجمعة حديث 867 ، وأبو داود في السنة حديث 4607 ، والنسائي في العيدين حديث 1578 ، وابن ماجة في المقدمة حديث 42 ، 46 ، وأحمد في المسند 3 / 310 .