الخطيب الشربيني
71
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
ولما اتضح الحق عندهم وعرفوا أن لا وجه لهم في ذلك وانقطعت حجتهم . قالُوا مقسمين لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ وسموه باسمه جفاء وغلظة بقولهم : يا لُوطُ أي : عن مثل إنكارك هذا علينا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ أي : ممن أخرجناه من بلدنا على وجه فظيع من تعنيف واحتباس أملاك كما هو حال الظلمة إذا أجلوا بعض من يغضبون عليه وكما كان يفعل بعض أهل مكة بمن يريد المهاجرة ، وفي هذا إشارة إلى أنه غريب عندهم وأنّ عادتهم المستّمرة نفي من اعترض عليهم . قالَ مجيبا لهم إِنِّي مؤكدا لمضمون ما يأتي به لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ أي : المبغضين غاية البغض لا أقف عن الإنكار عليه بالإبعاد . تنبيه : قوله من القالين : أبلغ من أن يقول إني لعملكم قال كما تقول فلان من العلماء فيكون أبلغ من قولك فلان عالم لأنك تشهد له بكونه معدودا في زمرتهم ومعروفة مساهمته لهم في العلم ، والقلي : البغض الشديد كأنّ البغض يقلي الفؤاد والكبد والقالي المبغض كما قال القائل « 1 » : ووالله ما فارقتكم قاليا لكم * ولكن ما يقضى عليّ يكون ثم إنه عليه السّلام دعا إلى الله تعالى بقوله : رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي وقوله : مِمَّا يَعْمَلُونَ يحتمل أن يريد من عقوبة عملهم ، قال الزمخشري : وهو الظاهر ، ويحتمل أن يريد بالتنجية العصمة . ثم إنّ الله تعالى قبل دعاءه كما قال تعالى : فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مما عذبناهم به بإخراجنا له من بلدهم حين استخفافهم له ولم نؤخره عنهم إلى حين خروجهم إلا لأجله ، وأكد بقوله تعالى : أَجْمَعِينَ إشارة إلى أنه نجى أهل بيته ومن تبعه على دينه . ثم استثنى تعالى من أهل بيته قوله تعالى : إِلَّا عَجُوزاً وهي امرأته كائنة فِي حكم الْغابِرِينَ أي : الماكثين الذين تلحقهم الغبرة بما يكون من الداهية فإننا لم ننجها لقضائنا بذلك في الأزل لكونها لم تتابعه في الدين ولم تخرج معه وكانت مائلة إلى القوم راضية بفعلهم ، وقيل : أنها خرجت فأصابها حجر في الطريق فأهلكها . فإن قيل : كان أهله مؤمنين ولولا ذلك لما طلب لهم النجاة فكيف استثنيت الكافرة منهم ؟ أجيب : بأنّ الاستثناء إنما وقع من أهل بيته كما مرّت الإشارة إليه وفي هذا الاسم لها معهم مشركة بحق الزواج وإن لم تشاركهم في الإيمان ، فإن قيل : في الغابرين صفة لها كأنه قيل إلا عجوزا في الغابرين غابرة ولم يكن الغبور صفتها وقت تنجيتهم ؟ أجيب : بأنّ معناه إلا عجوزا مقدّرا غبورها ، أو في حكمهم كما مرت الإشارة إليه . ثُمَّ دَمَّرْنَا أي : أهلكنا الْآخَرِينَ أي : المؤخرين عن اتباع لوط وفي التعبير بلفظ الآخرين إشارة إلى تأخرهم من كل وجه ، ثم لما كان المراد بقوله تعالى : دمرنا حكمنا بتدميرهم عطف عليه قوله : وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً قال وهب بن منبه : الكبريت والنار ، وقال قتادة : أمطر الله تعالى على شذاذ القوم حجارة من السماء فأهلكتهم فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ اللام فيه للجنس
--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو لذي القرنين أبي المطاع بن حمدان في تاج العروس ( برد ) ، ومعجم البلدان ( بردى ) ، وللأخوة الأودي في الدرر 2 / 40 ، وليس في ديوانه ، وبلا نسبة في أمالي القالي 1 / 99 ، وأوضح المسالك 1 / 348 ، وشرح الأشموني 1 / 108 ، وشرح التصريح 1 / 225 ، وشرح قطر الندى ص 149 ، والمقاصد النحوية 2 / 315 .