الخطيب الشربيني

707

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

الأرواح حياة الأشباح فَاتَّبِعْها أي : اتبع بغاية جهدك شريعتك الثابتة بالحجج وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ أي : آراء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ أي : لا علم لهم أو لهم علم لكنهم يعملون عمل من ليس لهم علم أصلا من كفار العرب وغيرهم ، قال الكلبي : « إن رؤساء قريش قالوا للنبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو بمكة : ارجع إلى دين آبائك فهم كانوا أفضل منك وأسن فأنزل الله تعالى هذه الآية » . ثم علل هذا النهي مهددا بقوله تعالى مؤكدا : إِنَّهُمْ وأكد النفي فقال عز من قائل لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ أي : لا يتجدد لهم نوع إغناء مبتدأ مِنَ اللَّهِ أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلما شَيْئاً أي : من إغناء أي : إن اتبعتهم ، كما أنهم لن يقدروا لك على شيء من أذى إن خالفتهم وناصبتهم وَإِنَّ الظَّالِمِينَ أي : العريقين في هذا الوصف وهم الكفرة ، وكان الأصل : وإنهم ولكنه تعالى أظهر للإعلام بوصفهم بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إذ الجنسية علة الانضمام فلا توالوهم باتباع أهوائهم وَاللَّهُ أي : الذي له صفات الكمال وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ أي : الذين همهم الأعظم الاتصاف باتخاذ الوقايات المنجية لهم من سخط الله تعالى ، والمعنى : أن الظالمين يتولى بعضهم بعضا في الدنيا وأما في الآخرة فلا ولي لهم ينفعهم في إيصال الثواب وإزالة العقاب ، وأما المتقون المهتدون فالله سبحانه وليهم وناصرهم . هذا أي : الوحي المنزل وهو القرآن بَصائِرُ أي : معالم لِلنَّاسِ أي : في الحدود والأحكام فيبصروا بها ما ينفعهم وما يضرهم وَهُدىً أي : قائد إلى كل خير مانع من كل زيغ وَرَحْمَةٌ أي : كرامة وفوز ونعمة لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أي : ناس فيهم قوة القيام بالوصول إلى العلم الثابت وتجديد الترقي في درجاته إلى ما لا نهاية له . وقوله تعالى : أَمْ حَسِبَ منقطعة فتقدر ببل والهمزة أو ببل وحدها أو بالهمزة وحدها ومعنى الهمزة فيها : إنكار الحسبان الَّذِينَ اجْتَرَحُوا أي : اكتسبوا ومنه الجوارح وفلان جارحة أهله أي : كاسبهم وقال تعالى وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ [ الأنعام : 60 ] السَّيِّئاتِ أي : الكفر والمعاصي أَنْ نَجْعَلَهُمْ أي : بما لنا من العظمة المانعة من الظلم المقتضية للحكمة كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا تصديقا لإقرارهم الصَّالِحاتِ أي : بأن نتركهم بغير حساب للفصل بين المحسن والمسئ . ولما كانت المماثلة مجملة بينها استئنافا بقوله تعالى : سَواءً أي : مستو استواء عظيما مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ أي : حياتهم وموتهم وزمان ذلك ومكانه في الارتفاع والسفول واللذة والكدر وغير ذلك من الأعيان والمعاني ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص سواء بالنصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور وهما كالذين آمنوا ، ويكون المفعول الثاني للجعل كالذين آمنوا أي : أحسبوا أن نجعلهم مثلهم في حال استواء محياهم ومماتهم ليس الأمر كذلك ، وقرأه الباقون بالرفع على أنه خبر ومحياهم ومماتهم مبتدأ ومعطوف والجملة بدل من الكاف والضميران للكفار ، والمعنى : أحسبوا أن نجعلهم في الآخرة في خير كالمؤمنين أي : في رغد من العيش مساو لعيشهم في الدنيا حيث قالوا للمؤمنين : لئن بعثنا لنعطي من الخير مثل ما تعطون ، قال تعالى على وفق إنكاره بالهمزة ساءَ ما يَحْكُمُونَ أي : ليس الأمر كذلك فهم في الآخرة في العذاب على خلاف عيشهم في الدنيا والمؤمنون في الآخرة في الثواب بأعمالهم الصالحات في الدنيا من الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك ، وما مصدرية أي : بئس حكما حكمهم هذا .