الخطيب الشربيني
696
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
[ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 45 إلى 59 ] كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ( 45 ) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ( 46 ) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ ( 47 ) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ ( 48 ) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ( 49 ) إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ ( 50 ) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ ( 51 ) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 52 ) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ ( 53 ) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ( 54 ) يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ ( 55 ) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ( 56 ) فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 57 ) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 58 ) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ ( 59 ) . إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ أي : يوم القيامة يفصل الله تعالى فيه بين العباد ، قال الحسن : سمي بذلك ؛ لأن الله تعالى يفصل فيه بين أهل الجنة والنار ، وقيل : يفصل فيه بين المؤمن وما يكرهه وبين الكافر وما يريده مِيقاتُهُمْ أي : وقت موعدهم الذي ضرب لهم في الأزل وأنزلت فيه الكتب على ألسنة الرسل أَجْمَعِينَ لا يتخلف عنه أحد ممن مات من الجن والأنس والملائكة وجميع الحيوانات . وقوله تعالى : يَوْمَ لا يُغْنِي أي : بوجه من الوجوه بدل من يوم الفصل ، أو منصوب بإضمار أعني ، أو صفة لميقاتهم ، ولا يجوز أن ينتصب بالفصل نفسه لما يلزم من الفصل بينهما بأجنبي وهو ميقاتهم مَوْلًى أي : من قرابة أو غيرها عَنْ مَوْلًى بقرابة أو غيرها أي : لا يدفع عنه شَيْئاً من الأشياء كثر أو قل وَلا هُمْ أي : القسمان يُنْصَرُونَ أي : ليس لهم ناصر يمنعهم من عذاب الله تعالى . تنبيه : المولى إما في الدين ، أو في النسب ، أو العتق ، وكل هؤلاء لا يسمون بالمولى فلما لم تحصل النصرة منهم فأن لا تحصل ممن سواهم أولى ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً [ البقرة : 48 ] إلى قوله تعالى وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [ البقرة : 48 ] وقال الواحدي : المراد بقوله تعالى : مَوْلًى عَنْ مَوْلًى الكفار لأنه ذكر بعده المؤمن فقال تعالى : إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ أي : أراد إكرامه الملك الأعظم وهم المؤمنون يشفع بعضهم لبعض بإذن الله تعالى في الشفاعة لأحدهم فيكرم الشافع فيه وقال ابن عباس : يريد المؤمن فإنه يشفع له الأنبياء والملائكة . تنبيه : يجوز في إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ أوجه ؛ أحدها : وهو قول الكسائي أنه منقطع ، ثانيها : أنه متصل تقديره لا يغني قريب عن قريب إلا المؤمنين فإنهم يؤذن لهم في الشفاعة فيشفعون في بعضهم كما مر ، ثالثها : أن يكون مرفوعا على البدلية من مولى الأول ويكون يغني بمعنى ينفع قاله الحوفي ، رابعها : أنه مرفوع المحل أيضا على البدل من واو ينصرون أي : لا يمنع من العذاب إلا من رحم الله إِنَّهُ أي : وحده هُوَ الْعَزِيزُ أي : المنيع الذي لا يقدح في عزته عفو ولا عقاب بل ذلك دليل على عزته فإنه يفعل ما يشاء فيمن يشاء من غير مبالاة بأحد الرَّحِيمُ أي : الذي لا يمنع عزته أن يكرم من شاء . ولما وصف تعالى اليوم ذكر بعده وعيد الكفار فقال سبحانه : إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ هي من أخبث الشجر المر بتهامة ينبتها الله تعالى في الجحيم وقد مر الكلام عليها في الصافات ، ورسمت بالتاء المجرورة فوقف عليها بالهاء أبو عمرو وابن كثير والكسائي ، ووقف الباقون بالتاء على الرسم .