الخطيب الشربيني

677

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

ثم بين تعالى ما يتلقى به المؤمنين الذين قد توادوا فيه سبحانه تشريفا لهم وتسكينا لما يقتضيه ذلك المقام من الأهوال بقوله تعالى : يا عِبادِ فأضافهم إلى نفسه إضافة تشريف لأن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد بالمؤمنين المطيعين المتقين ، وفيه أنواع كثيرة توجب المدح أولها : أن الحق سبحانه وتعالى خاطبهم بنفسه من غير واسطة وهذا تشريف عظيم بدليل أنه تعالى لما أراد تشريف نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم قال تعالى : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ [ الإسراء : 1 ] والثاني قوله : لا خَوْفٌ أي : بوجه من الوجوه عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ أي : في يوم الآخرة مما يحويه من الأهوال والأمور الشداد والزلزال ، وثالثها : قوله تعالى : وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ أي : لا يتجدد لكم حزن على شيء فات في وقت من الأوقات الآتية لأنكم لا يفوتكم شيء تسرون به ، وقرأ شعبة بفتح الياء في الوصل وسكنها نافع وأبو عمرو وابن عامر وحذفها الباقون وقفا ووصلا . وقوله تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا أي : أوجدوا هذه الحقيقة يجوز أن يكون نعتا لعبادي أو بدلا منه أو عطف بيان له أو مقطوعا منصوبا بفعل أي : أعني الذين آمنوا أو مرفوعا وخبره مضمر تقديره يقال لهم : ادخلوا الجنة ، قال مقاتل : إذا وقع الخوف يوم القيامة نادى مناد : يا عبادي لا خوف عليكم اليوم فإذا سمعوا النداء رفع الخلائق رؤوسهم فيقول الذين آمنوا بِآياتِنا الظاهرة عظمتها في نفسها أولا وبنسبتها إلينا ثانيا وَكانُوا أي : دائما بما هو لهم كالجبلة والخلق مُسْلِمِينَ أي : منقادين للأوامر والنواهي أتم انقياد فبذلك يعدلون إلى حقيقة التقوى فينكس أهل الأديان الباطلة رؤوسهم فيمر حسابهم على أحسن الوجوه ثم يقال لهم : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ ولما كان السرور لا يكمل إلا بالرفيق السار قال تعالى : أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ أي : نساؤكم اللاتي كن مشاكلات لكم في الصفات ، وأما قرناؤهم من الرجال فدخلوا في قوله تعالى وكانوا مسلمين تُحْبَرُونَ أي : تسرون وتنعمون والحبرة : المبالغة في الإكرام على أحسن الوجوه . وقوله تعالى : يُطافُ قبله محذوف أي : يدخلون يطاف عَلَيْهِمْ أي : المتقين الذي جعلناهم بهذا النداء ملوكا بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ فيها من ألوان الأطعمة والفواكه والحلوى ما لا يدخل تحت الوهم ، والصحاف جمع صحفة كجفنة وجفان ، قال الجوهري : الصحفة كالقصعة والجمع صحاف ، قال الكسائي : أعظم القصاع الجفنة ثم القصعة تليها تشبع العشرة ثم الصحفة تشبع الخمسة ثم المئكلة تشبع الرجلين والثلاثة ثم الصحيفة تشبع الرجل والصحيفة الكتاب والجمع صحف وصحائف . ولما كانت آلة الشرب في الدنيا أقل من آنية الأكل جرى على ذلك المعهود فعبر بجمع القلة في قوله تعالى : وَأَكْوابٍ جمع كوب وهو كوز مستدير مدور الرأس لا عروة له إيذانا بأنه لا حاجة أصلا إلى تعليق شيء لتبريد أو صيانة عن أذى أو نحو ذلك : وقيل : هو كالإبريق إلا أنه لا عروة له ، وقيل : إنه لا خرطوم له ، وقيل : إنه لا عروة له ولا خرطوم معا قال الجواليقي : ليتمكن الشارب من أين شاء فإن العروة تمنع من ذلك وقال عدي « 1 » : متكئا تصفق أبوابه * يطوف عليه العبد بالكوب

--> ( 1 ) البيت من السريع ، وهو لعدي بن زيد العبادي في ديوانه ص 67 ، ولسان العرب ( كوب ) ، ( صفق ) ، وتهذيب اللغة 10 / 400 ، وكتاب الجيم 3 / 174 ، وتاج العروس ( كوب ) ، وبلا نسبة في ديوان الأدب 3 / 313 .