الخطيب الشربيني
674
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
عمل صالح أو قرض وسلف الرجل آباؤه المتقدمون والجمع أسلاف وسلاف ، وقال طفيل : سلفوا سلفا فصد السبيل عليهم صروف المنايا والرجال تغلب . واختلف في سبب نزول قوله تعالى : وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا فقال ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين : نزلت في مجادلة عبد الله بن الزبعرى مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم في شأن عيسى عليه السّلام لما نزل قوله تعالى إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [ الأنبياء : 98 ] كما تقدم في سورة الأنبياء والمعنى : ولما ضرب عبد الله بن الزبعرى عيسى ابن مريم مثلا وجادل رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بعبادة النصارى إياه إِذا قَوْمُكَ أي : من قريش مِنْهُ أي : من هذا المثل يَصِدُّونَ أي : يرفع لهم ضجيج فرحا بسبب ما رأوا من سكوت النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن العادات قد جرت بأن أحد الخصمين إذا انقطع أظهر الخصم الثاني الفرح والضجيج ، وقال قتادة : يقولون ما يريد محمد منا إلا أن نعبده ونتخذه إلها كما عبدت النصارى عيسى . وَقالُوا أَ آلِهَتُنا أي : التي نعبدها من الأصنام خَيْرٌ أَمْ هُوَ قال قتادة : يعنون محمدا صلّى اللّه عليه وسلم فنعبده ونطيعه ونترك آلهتنا ، وقال السدي وابن زيد : يعنون عيسى عليه السّلام قالوا : توهم محمد أن كل ما نعبد من دون الله فهو في النار فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى وعزير والملائكة في النار قال الله تعالى : ما ضَرَبُوهُ أي : المثل لَكَ إِلَّا جَدَلًا أي : خصومة بالباطل لعلمهم أن لفظ ما لغير العاقل فلا يتناول من ذكروه بَلْ هُمْ قَوْمٌ أي : أصحاب قوة على القيام فيما يحاولونه خَصِمُونَ أي : شديدوا الخصام . روى الإمام أحمد عن أبي أمامة قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدال » « 1 » . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم يصدون بكسر الصاد ، والباقون بضمها وهما بمعنى واحد يقال صد يصد ويصد كعكف يعكف ويعكف وعرش يعرش ويعرش ، وقيل : الضم من الصدود وهو الإعراض ، وقرأ الكوفيون : آلهتنا بتحقيق الهمزتين ، والباقون بتسهيل الثانية واتفقوا على إبدال الثانية ألفا . ثم إنه تعالى بين أن عيسى عبد من عبيده الذين أنعم عليهم بقوله تعالى : إِنْ أي : ما هُوَ أي : عيسى عليه السّلام إِلَّا عَبْدٌ أي : وليس هو بإله أَنْعَمْنا أي : بما لنا من العظمة عَلَيْهِ أي : بالنبوة والإقدار على الخوارق وَجَعَلْناهُ أي : بما خرقنا به العادة في ميلاده وغير ذلك من آياته مَثَلًا أي : أمرا عجيبا كالمثل لغرابته من أنثى فقط بلا واسطة ذكر كما خلقنا آدم من غير ذكر وأنثى وشرفناه بالنبوة لِبَنِي إِسْرائِيلَ الذين هم أعرف الناس به ، بعضهم بالمشاهدة ، وبعضهم بالنقل القريب المتواتر فيعرفون به قدرة الله تعالى على ما يشاء حيث خلقه من غير أب . وَلَوْ نَشاءُ أي : على ما لنا من العظمة لَجَعَلْنا ما هو أغرب مما صنعناه من أمر عيسى عليه السّلام مِنْكُمْ أي : جعلا مبتدأ منكم إما بالتوليد كما جعلنا عيسى عليه السّلام من أنثى من غير ذكر ، وجعلنا آدم عليه السّلام من تراب من غير أنثى ولا ذكر ، وإما بالبدلية مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ أي : يخلفونكم في الأرض والمعنى : أن حال عيسى عليه السّلام وإن كانت عجيبة فالله تعالى قادر على ما هو
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي حديث 3253 ، وابن ماجة حديث 48 ، وأحمد في المسند 2 / 252 ، 256 ، والحاكم في المستدرك 2 / 447 ، والطبراني في المعجم الكبير 8 / 333 .