الخطيب الشربيني
659
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
ينبغي أن تكون من غايتها على ما هو المتعارف بينهم من شكر المنعم ، فقال دالا على عظم قدر النعمة وبعد غايتها وعلو أمر الذكر بحرف التراخي ثُمَّ تَذْكُرُوا أي : بقلوبكم وصرف القول إلى وجه التربية حثا على تذكر إحسانه للانتهاء عن كفرانه والإقبال على شكرانه فقال تعالى : نِعْمَةَ رَبِّكُمْ أي : الذي أحسن إليكم بنعمة تسخيرها لكم وما تعرفونه من غيرها إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ أي : على ما تركبونه وذلك الذكر هو أن يعرف أن الله تعالى خلق البحر وخلق الرياح وخلق جرم السفينة على وجه يمكن الإنسان من تصريف هذه السفينة إلى أي جانب شاء ، فإذا تذكر أن خلق البحر وخلق الرياح وخلق السفينة على هذه الوجوه القابلة لتصرف الإنسان ولتحريكاته إنما هو من تدبير الحكيم العليم القدير عرف أن ذلك نعمة من الله تعالى ، فيحمله ذلك على الانقياد لطاعة الله تعالى وعلى الاشتغال بالشكر لنعم الله تعالى التي لا نهاية لها . ولما كان تذكر النعمة يبعث الجنان واللسان والأركان على الشكر لمن أسداها قال عز من قائل : وَتَقُولُوا أي : بألسنتكم جمعا بين القلب واللسان سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ أي : بعلمه الكامل وقدرته التامة لَنا هذا أي : الذي ركبناه سفينة كانت أو دابة وَما أي : والحال أنا ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ أي : مطيقين والمقرن المطيق للشيء الضابط له من أقرنه أي : أطاقه قال الواحدي : كان اشتقاقه من قولك صرت له قرنا ومعنى قرن فلان أي : مثله في الشدة ، وقيل : ضابطين وقال أبو عبيدة : قرن لفلان أي : ضابط له والقرن الحبل ، ومعنى الآية : ليس عندنا من القوة والطاقة أن نقرن هذه الدابة والفلك وأن نطيقهما فسبحان من سخر لنا هذا بقدرته وحكمته . روى الزمخشري عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : أنه كان إذا وضع رجله في الركاب قال : « بسم الله ، فإذا استوى على الدابة قال : الحمد لله على كل حال سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون » « 1 » . وروى أحمد وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح عن علي رضي الله عنه : أنه وضع رجله في الركاب وقال : « فقال بسم الله فلما استوى على الدابة ، قال : الحمد لله سبحان الذي سخر لنا هذه الآية ، ثم حمد ثلاثا وكبر ثلاثا ثم قال : لا إله إلا الله ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك فقيل : مم تضحك يا أمير المؤمنين ؟ قال : رأيت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فعل ما فعلت فقلنا : ما يضحكك يا رسول الله قال : إن ربك يعجب من عبده إذا قال العبد لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، ويقول : علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري » « 2 » . وروى أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما : « أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أردفه على دابة فلما استقر عليها كبر ثلاثا وحمد الله تعالى ثلاثا وسبح الله ثلاثا وهلل الله تعالى واحدة وضحك ، ثم أقبل عليه فقال : ما من امرئ مسلم ركب دابة فيصنع كما صنعت إلا أقبل الله عليه يضحك إليه كما ضحكت إليك » « 3 » .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الحج حديث 1342 ، وأبو داود في الجهاد حديث 2599 ، والترمذي في الدعوات حديث 3446 . ( 2 ) أخرجه أبو داود حديث 2602 ، والترمذي حديث 3447 . ( 3 ) أخرجه السيوطي في الدر المنثور 6 / 14 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 24994 .