الخطيب الشربيني

64

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

لذلك ، ثم أكد النفي بقوله إِنْ أي : ما أَجْرِيَ أي : ثوابي في دعائي لكم إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ أي : الذي دبر جميع الخلائق ورباهم ، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص بفتح الياء في أجري في المواضع الخمسة في هذه السورة ، والباقون بالسكون . ولما انتفت التهمة تسبب عن انتفائها الإعادة ما قدمه إعلاما بالاهتمام به زيادة في الشفقة عليهم فقال : فَاتَّقُوا اللَّهَ أي : الذي حاز جميع صفات العظمة وَأَطِيعُونِ ولما أقام الدليل على نصحه وأمانته . قالُوا أي : قومه منكرين عليه ومنكرين لاتباعه استنادا إلى الكبر الذي ينشأ عنه بطر الحق وغمص الناس أي : احتقارهم أَ نُؤْمِنُ لَكَ أي : لأجل قولك هذا وما أوتيته من أوصافك وَ الحال أنه قد اتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ أي : فيكون إيماننا بك سببا لاستوائنا معهم ، والرذالة : الخسة والذلة ، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم وقلة نصيبهم من الدنيا ، قيل : كانوا من أهل الصناعات الخسيسة كالحياكة والحجامة والصناعة لا تزري بالديانة وهكذا كانت قريش تقول في أصحاب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وما زالت أتباع الأنبياء كذلك حتى كادت من سماتهم وأماراتهم ، ألا ترى إلى هرقل حيث سأل أبا سفيان عن أتباع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فلما قال ضعفاء الناس وأراذلهم قال : ما زالت أتباع الأنبياء كذلك ، وعن ابن عباس هم الفاغة ، وعن عكرمة الحاكة والإساكفة ، وعن مقاتل السفلة . ولما كانت هذه الشبهة في غاية الركاكة لأنّ نوحا بعث إلى جميع قومه فلا يختلف الحال بسبب الفقر والغنى وشرف المكاسب وخستها أجابهم بقوله : قالَ وَما أي : أي شيء عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ قبل أن يتبعوني أي : مالي وللبحث عن سرائرهم ، وإنما قال هذا لأنهم قد طعنوا مع استرذالهم في إيمانهم وأنهم لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة وإنما آمنوا هوى وبديهة كما حكى الله عنهم في قوله : إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ [ هود : 27 ] . ثم أكد أنه لا يبحث عن بواطنهم بقوله : إِنْ أي : ما حِسابُهُمْ أي : في الماضي والآتي إِلَّا عَلى رَبِّي أي : المحسن إليّ فهو محاسبهم ومجازيهم ، وأمّا أنا فلست بمحاسب ولا مجاز لَوْ تَشْعُرُونَ أي : لو كان لكم نوع شعور لعلمتم ذلك فلم تقولوا ما قلتم ما هو دائر على أمور الدنيا فقط ولا نظر له إلى يوم الحساب ، فإنّ الغنى غنى الدين والنسب نسب التقوى . ولما أوهم قولهم : هذا استدعاء طرد هؤلاء الذين آمنوا معه وتوقيف إيمانهم عليه حيث جعلوا أتباعهم المانع عنه أجابهم بقوله عليه السّلام . وَما أي : ولست أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ أي : الذين صار الإيمان لهم وصفا راسخا فلم يرتدوا عنه للطمع في إيمانكم ولا لغيره من أتباع شهواتكم ، ثم علل ذلك بقوله : إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ أي : محذر لا وكيل فاتش على البواطن ولا متنعت عن الاتباع مُبِينٌ أوضح ما أرسلت به فلا أدع فيه لبسا ، وقرأ قالون بمدّ أنا في الوصل بخلاف عنه ، والباقون بالقصر . ولما أجابهم بهذا الجواب وقد أيسوا مما راموه لم يكن منهم إلا التهديد بأن . قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ ثم سموه باسمه جفاء وقلة أدب بقولهم : يا نُوحُ عما تقوله لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ قال مقاتل والكلبي : من المقتولين بالحجارة ، وقال الضحاك : من المشتومين فعند ذلك حصل اليأس لنوح عليه السّلام من فلاحهم فلذلك . قالَ شاكيا إلى الله ما هو أعلم به منه توطئة للدّعاء عليهم ومعرضا عن تهديدهم له صبرا