الخطيب الشربيني

635

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

على قطع الإحسان غَضَبٌ أي : عقوبة تليق بحالهم المذموم ووصفهم المذموم ومنه الطرد فهم مطرودون عن بابه مبعدون عن جنابه مهانون بحجابه وَلَهُمْ مع ذلك عَذابٌ شَدِيدٌ في الآخرة لا تصلون إلى حقيقة وصفه . اللَّهُ أي : الذي له جميع الملك الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ أي : جنس الكتاب بِالْحَقِّ أي : متلبسا على أكمل الوجوه بالأمر الثابت الذي لا يبدل وَالْمِيزانَ أي : الشرع الذي توزن به الحقوق ويسوي بين الناس أو العدل ، قال مجاهد : سمي العدل ميزانا لأن الميزان آلة للإنصاف والتسوية ، وقال ابن عباس : أمر الله تعالى بالوفاء ونهى عن البخس فيجب على العاقل أن يجتهد في النظر والاستدلال ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد . ولما كان صلّى اللّه عليه وسلم يهددهم بيوم القيامة ولم يروا لذلك أثرا قالوا على سبيل السخرية : متى تقوم الساعة وليتها قامت حتى يظهر لنا الحق أهو الذي نحن عليه أم الذي عليه محمد وأصحابه ؟ قال تعالى : وَما يُدْرِيكَ أي : يا أكمل الخلق لَعَلَّ السَّاعَةَ أي : التي يستعجلون بها قَرِيبٌ وذكر قريب وإن كان صفة لمؤنث لأن الساعة في معنى الوقت أو البعث ، أو على معنى النسب أي : ذات قرب ، أو على حذف مضاف أي : مجيء الساعة ، قال مكي : ولأن تأنيثها مجازي وهذا ممنوع إذ لا يجوز الشمس طالع ولا القدر فائر . تنبيه : لعل معلق للفعل عن العمل أي : ما بعده سد مسد المفعولين . ولما ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلم الساعة وعنده قوم من المشركين ، وقالوا مستهزئين : متى الساعة تقوم ؟ نزل قوله تعالى : يَسْتَعْجِلُ بِهَا أي : يطلب أن تكون قبل الوقت المضروب لها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها أي : لا يتجدد لهم ذلك أصلا وهم غير مشفقين ويظنون كذب القائل بها وَالَّذِينَ آمَنُوا وإن كانوا في أول درجات الإيمان مُشْفِقُونَ أي : خائفون خوفا عظيما مِنْها لأن الله تعالى هداهم بإيمانهم فصارت صدورهم معادن المعارف وقلوبهم منابع الأنوار ، فأيقنوا بما فيها من الأهوال الكبار فخافوا للطافتهم أن يكونوا مع صلاحهم من أهل النار وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ إعلاما بأنهم على بصيرة من أمرها لا يستعجلون بها ، فالآية من الاحتباك ، ذكر الاستعجال أولا دليلا على حذف ضده ثانيا والإشفاق ثانيا دليلا على حذف ضده أولا . فائدة : روي : « أن رجلا سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلم بصوت جهوري في بعض أسفاره فناداه : يا محمد ، فقال له صلّى اللّه عليه وسلم نحوا من صوته : هاؤم فقال : متى الساعة ؟ فقال له صلّى اللّه عليه وسلم : ويحك إنها كائنة فما أعددت لها ، فقال : حب الله تعالى وحب رسوله ، فقال : أنت مع من أحببت » « 1 » . والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة بل أمره بالاستعداد لها ومن أحب الله تعالى ورسوله فعل ما أمرا به واجتنب ما نهيا عنه ، فهي المحبة الكاملة نسأل الله الكريم من فضله أن يوفقنا وأحبابنا لطاعته واجتناب معاصيه أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ أي : يخاصمون ويجادلون فِي السَّاعَةِ أي : القيامة وما تحتوي عليه لَفِي ضَلالٍ أي : ذهاب حائد عن الحق بَعِيدٍ جدا عن الصواب فإن لها من الأدلة الظاهرة ما

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في المناقب حديث 3688 ، ومسلم في البر حديث 2639 ، والترمذي في الزهد حديث 2385 ، وأحمد في المسند 3 / 168 ، و 172 ، 173 ، 178 ، 198 ، 202 ، 207 ، 208 ، 228 ، 255 ، 276 . 288 ، 5 / 166 .