الخطيب الشربيني
629
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
جامعا لكل حكمة مع الفرق لكل ملتبس عَرَبِيًّا فهو بين الخطاب واضح الصواب معجز الجناب لِتُنْذِرَ أي : به أُمَّ الْقُرى أي : أهل مكة التي هي أم الأرض وأصلها منها دحيت ، أو لشرفها أوقع الفعل عليها عدا لها عداد العقلاء أو غير ذلك إذ ما عليك إلا البلاغ ، وقوله تعالى وَمَنْ حَوْلَها معطوف على أهل المقدر قبل أم القرى ، والمفعول الثاني محذوف أي : العذاب والمراد بمن حولها : قرى الأرض كلها من أهل البدو والحضر وأهل المدر والوبر ، والإنذار : التخويف وَتُنْذِرَ أي : الناس . يَوْمَ الْجَمْعِ أي : يوم القيامة يجمع الله تعالى فيه الأولين والآخرين وأهل السماوات والأرضين ويجمع الأرواح بالأجساد ويجمع بين العامل وعمله ويجمع بين الظالم والمظلوم لا رَيْبَ أي : لا شك فِيهِ لأنه ركز في فطرة كل أحد وقوله تعالى : فَرِيقٌ يجوز فيه وجهان ؛ أحدهما : أنه مبتدأ وساغ هذا في النكرة لأنه مقام تفصيل وخبره فِي الْجَنَّةِ أي : تفضلا منه ورحمة ، وهم الذين قبلوا الإنذار وبالغوا في الحذار ، ويجوز أن يكون الخبر مقدرا تقديره منهم فريق ، وساغ الابتداء بالنكرة حينئذ لشيئين : تقديم خبرها جارا ومجرورا ووصفها بالجار بعدها ، والثاني : أنه خبر مبتدأ مضمر أي : هم أي : المجموعون فريق ، دل على ذلك قوله تعالى : يَوْمَ الْجَمْعِ وقوله تعالى : وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ أي : عدلا منه فيه ما مر ، وهم الذين خذلهم الله تعالى ووكلهم إلى أنفسهم ، فإن قيل : يوم الجمع يقتضي كون القوم مجتمعين والجمع بين الصنفين محال ؟ أجيب : بأنهم يجتمعون أولا ثم يصيرون فريقين قال القشيري : كما أنهم في الدنيا فريقان فريق في راحات الطاعات وحلاوات العبادات ، وفريق في ظلمات الشرك وعقوبات الجحد والشك فكذلك غداهم فريقان ، فريق هم أهل اللقاء وفريق هم أهل البلاء والشقاء . روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال : « خرج علينا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ذات يوم قابضا على كفيه ومعه كتابان فقال : أتدرون ما هذان الكتابان ؟ قلنا : لا يا رسول الله فقال : للذي في يده اليمنى : هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفا في الأصلاب ، وقبل أن يستقروا نطفا في الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون فليس يزاد فيهم ولا ينقص منهم إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة ، ثم قال للذي في يده اليسرى : هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل النار وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفا في الأصلاب ، وقبل أن يستقروا نطفا في الأرحام ، إذ هم في الطينة منجدلون فليس يزاد فيهم ولا ينقص منهم ، إجمال من الله تعالى عليهم إلى يوم القيامة ، فقال عبد الله بن عمرو : ففيم العمل إذن ؟ فقال : اعملوا وسددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أيّ عمل ، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أيّ عمل ثم قال فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ عدل من الله تعالى » « 1 » أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده . وَلَوْ شاءَ اللَّهُ أي : المحيط بجميع أوصاف الكمال لَجَعَلَهُمْ أي : المجموعين أُمَّةً واحِدَةً للثواب أو للعذاب ، ولكنه لم يشأ ذلك بل شاء أن يكونوا فريقين مقسطين وظالمين ليظهر
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في القدر حديث 2141 ، وأحمد في المسند 2 / 167 ، وأبو نعيم في حلية الأولياء 5 / 168 ، والسيوطي في الدر المنثور 6 / 3 .