الخطيب الشربيني

610

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وجاء في الحديث الصحيح « أن الله تعالى رفع عن هذه الأمة هذه الأنواع » « 1 » ؟ أجيب : بأنهم لما عرفوا كونهم مشاركين لعاد وثمود في الكفر عرفوا كونهم مشاركين لعاد وثمود في استحقاق مثل تلك الصاعقة ، وأن السبب الموجب للعذاب واحد وربما يكون العذاب النازل من جنس ذلك العذاب وإن كان أقل درجة وهذا القدر يكفي في التخويف . ولما بين تعالى كيفية عقوبة أولئك الكفار في الدنيا أردفه ببيان كيفية عقوبتهم في الآخرة ليحصل تمام الاعتبار في الزجر والتحذير فقال تعالى : وَيَوْمَ أي : واذكر يوم يُحْشَرُ أي : يجمع بكره بأمر قاهر لا كلفة فيه أَعْداءُ اللَّهِ أي : الملك الأعظم إِلَى النَّارِ وقرأ نافع بنون مفتوحة وضم الشين ونصب أعداء على البناء للفاعل وهو الله تعالى ، والباقون بياء الغيبة مضمومة وفتح الشين على البناء للمفعول ورفع أعداء لقيامه مقام الفاعل ، وجه الأول أنه معطوف على نجينا فحسن أن يكون على وفقه في اللفظ ، ووجه الثاني موافقة قوله تعالى : فَهُمْ أي : بسبب حشرهم يُوزَعُونَ أي : يساقون ويدفعون إلى النار ، وقال قتادة : يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا أي : يوقف سوابقهم حتى تصل إليهم . ولما بين تعالى إهانتهم بالوزع بين غايتها بقوله تعالى : حَتَّى إِذا ما جاؤُها أي : النار التي كانوا بها يكذبون ، فما زائدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور ، كما قال تعالى : شَهِدَ عَلَيْهِمْ وبين الشاهد وعدده بقوله تعالى : سَمْعُهُمْ وأفرد السمع لعدم تفاوت الناس فيه وَأَبْصارُهُمْ وجمعها لعظم تفاوت الناس فيها وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي : يجددون عمله مستمرين عليه . تنبيه : في كيفية تلك الشهادة ثلاثة أقوال ؛ أولها : أن الله تعالى يخلق الفهم والقدرة والنطق فيها فتشهد كما يشهد الرجل على ما يعرفه ، ثانيها : أنه تعالى يخلق في تلك الأعضاء الأصوات والحروف الدالة على تلك المعاني ، ثالثها : أن يظهر في تلك الأعضاء أحوالا تدل على صدور تلك الأعمال من ذلك الإنسان وتلك الأمارات تسمى شهادات كما يقال يشهد هذا العالم بتغيرات أحواله على حدوثه . فإن قيل : ما السبب في تخصيص هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر مع أن الحواس خمسة وهي السمع والبصر والشم والذوق واللمس ؟ أجيب : بأن الذوق داخل في اللمس من بعض الوجوه لأن إدراك الذوق إنما يتأتى بأن تصير جلدة اللسان مماسة لجرم الطعام ، وكذلك الشم لا يتأتى حتى يصير جلدة الأنف مماسة لجرم المشموم فكانا داخلين في جنس اللمس ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : المراد من شهادة الجلود شهادة الفروج وهو من باب الكنايات كما قال تعالى : لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا [ البقرة : 235 ] وأراد النكاح وقال تعالى : أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ [ النساء : 43 ] والمراد قضاء الحاجة وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « أول ما يتكلم من الآدمي فخذه وكفه » « 2 » وعلى هذا التقدير تكون الآية وعيدا شديدا في إتيان الزنا لأن مقدمة الزنا إنما تحصل بالفخذ ، وقال مقاتل : تنطق جوارحهم بما كتمت الأنفس من عملهم وعن أنس بن مالك قال : كنا عند رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فضحك

--> ( 1 ) الحديث لم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث التي بين يدي . ( 2 ) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 19 / 424 .