الخطيب الشربيني
601
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
وَهُمْ بِالْآخِرَةِ أي : الحياة التي بعد هذه ولا بعد لها هُمْ كافِرُونَ واحتج من قال إنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة بهذه الآية فقالوا : إن الله تعالى توعدهم بأمرين أحدهما : كونهم مشركين والثاني : لا يؤتون الزكاة ، فوجب أن يكون لكل واحد من هذين تأثير في حصول الوعيد وذلك يدل على أن لعدم إيتاء الزكاة مع الشرك تأثيرا عظيما في زيادة الوعيد وهو المطلوب ، فإن قيل : لم خص تعالى من أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة ؟ أجيب : بأن أحب شيء إلى الإنسان ماله وهو شقيق روحه فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على ثباته واستقامته وصدق نيته ونصوح طويته ألا ترى قوله تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ [ البقرة : 265 ] أي : يثبتون أنفسهم ويدلون على ثباتها بإنفاق الأموال وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا فقرت عصبيتهم ولانت شكيمتهم ، وأهل الردة بعد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة فنصبت لهم الحروب وجوهدوا ، وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة وتخويف شديد في منعها ، حيث جعل المنع من أوصاف المشركين وقرن بالكفر بالآخرة ، وقال ابن عباس : هم الذين لا يقولون لا إله إلا الله وهي زكاة الأنفس ، والمعنى : لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد ، وقال الحسن وقتادة : لا يقرون بالزكاة ولا يرون إيتاءها واجبا وكان يقال : الزكاة قنطرة الإسلام فمن قطعها نجا ومن تخلف عنها هلك . وقال الضحاك ومقاتل : لا ينفقون في الطاعة ولا يتصدقون ، وقال مجاهد : لا يزكون أعمالهم . ولما ذكر تعالى ما للجاهلين وعيدا وتحذيرا ذكر ما لأضدادهم وعدا وتبشيرا فقال تعالى مجيبا لمن تشوق لذلك مؤكدا لإنكار من ينكره : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا أي : بما آتاهم الله تعالى من العلم النافع وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ من الزكاة وغيرها من أنواع الطاعات لَهُمْ أَجْرٌ أي : عظيم غَيْرُ مَمْنُونٍ أي : غير مقطوع جزاء على سماحهم بالفاني اليسير من أموالهم في الزكاة وغيرها وما أمر الله تعالى من أقوالهم وأفعالهم في الآخرة والدنيا ، والممنون المقطوع من مننت الحبل إذا قطعته ومنه قولهم قد منّه السفر أي : قطعه ، وقال مقاتل : غير منقوص ، ومنه المنون لأنه ينقص من الإنسان وقوته ، وأنشدوا لذي الإصبع العدواني « 1 » : إني لعمرك ما بابي بذي غلق * على الصديق ولا أجري بممنون وقيل : غير ممنون به عليهم لأن عطاء الله تعالى لا يمن به إنما يمن المخلوق ، وقال السدي : نزلت في المرضى والزمنى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كما صح ما كانوا يعملون فيه ، روى عبد الله بن عمر أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض قيل للملك الموكل به : اكتب له مثل عمله إذا كان طليقا حتى أطلقه أو ألفته إلي » « 2 » . ولما ذكر سبحانه وتعالى سفههم في كفرهم بالآخرة ، شرع في ذكر الأدلة على قدرته عليها
--> ( 1 ) يروى البيت بلفظ : وقد أجود وما مالي بذي فنع * على الصديق وما خيري بممنون والبيت من البسيط ، وهو بلا نسبة في مقاييس اللغة 4 / 454 ، والأغاني 3 / 101 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 203 ، والبيهقي في السنن الكبرى 3 / 374 ، وعبد الزراق في المصنف 20308 .