الخطيب الشربيني

582

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

ما هموا به من المكر بالمسلمين ، كقول العرب : من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا ، فإذا فسر سوء العذاب بالغرق في الدنيا ونار جهنم في الآخرة لم يكن مكرهم راجعا إليهم لأنهم لا يعذبون بذلك ؟ أجيب : بأنهم هموا بشر فأصابهم ما وقع عليه اسم السوء ولا يشترط في الحيق أن يكون الحائق ذلك السوء بعينه . وقوله تعالى : النَّارُ في إعرابه ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أنه بدل من سوء العذاب ، قاله الزجاج ، ثانيها : أنه خبر مبتدأ محذوف أي : هو أي : سوء العذاب النار لأنه جواب لسؤال مقدر وقوله تعالى : يُعْرَضُونَ على هذين الوجهين يجوز أن يكون حالا من النار وأن يكون حالا من آل فرعون ، ثالثها : أنه مبتدأ وخبره يعرضون عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا أي : صباحا ومساء ، قال ابن مسعود : أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود يعرضون على النار كل يوم مرتين تغدو وتروح إلى النار ويقال : يا آل فرعون هذه منازلكم حتى تقوم الساعة . وقال قتادة : تعرض روح كل كافر على النار بكرة وعشيا ما دامت الدنيا . وروى ابن عمر أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله تعالى يوم القيامة » « 1 » . ثم أخبر الله تعالى عن مستقر آل فرعون يوم القيامة بقوله سبحانه وتعالى : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يقال لهم : أَدْخِلُوا آلَ أي : يا آل فِرْعَوْنَ أي : هو بنفسه وأتباعه لأجل اتباعهم له فيما أضلهم به أَشَدَّ الْعَذابِ وهو عذاب جهنم ، أجارنا الله تعالى نحن وأحباءنا منها فإنه أشد مما كانوا فيه أو أشد عذاب جهنم ، وهذه الآية نص على إثبات عذاب القبر كما نقل عن عكرمة ومحمد بن كعب ، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بقطع الهمزة مفتوحة وكسر الخاء وصلا وابتداء على أمر الملائكة بإدخالهم النار ، والباقون بوصل الهمزة وضم الخاء وصلا في الابتداء بضم الهمزة . واختلف في العامل في قوله تعالى : وَإِذا * على ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أنه معطوف على غدوا فيكون معمولا ليعرضون على النار في هذه الأوقات كلها ، قاله أبو البقاء ، ثانيها : أنه معطوف على قوله إذا القلوب لدى الحناجر قاله الطبري ونظر فيه لبعد ما بينهما ، وثالثها : أنه منصوب بإضمار اذكر أي : واذكر يا أشرف الخلق لقومك إذ يَتَحاجُّونَ أي : الكفار فِي النَّارِ أي : يتخاصمون فيها أتباعهم ورؤساؤهم مما لا يغنيهم فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ أي : الأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أي : طلبوا أن يكونوا كبراءهم الرؤساء إِنَّا كُنَّا لَكُمْ أي : دون غيركم تَبَعاً أي : أتباعا فتكبرتم على الناس بنا فَهَلْ أَنْتُمْ أيها الكبراء مُغْنُونَ أي : كافون ومجزئون وحاملون عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ . تنبيه : تبعا اسم جمع لتابع ونحوه خادم وخدم ، قال البغوي : والتبع يكون واحدا وجمعا في قول أهل البصرة واحده تابع ، وقال الكوفيون : هو جمع لا واحد له وجمعه أتباع ، وقيل : إنه مصدر واقع موقع اسم الفاعل أي : تابعين ، وقيل : مصدر ولكنه على حذف مضاف أي : ذوي تبع

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجنائز حديث 1379 ، ومسلم في الجنة حديث 2866 ، والترمذي في الجنائز حديث 1072 ، والنسائي في الجنائز حديث 2070 .