الخطيب الشربيني

578

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

ثم بين تعالى ما لأجله بقوا في الشك والإسراف فقال سبحانه : الَّذِينَ يُجادِلُونَ وهو مبتدأ أي : يخاصمون خصاما شديدا فِي آياتِ اللَّهِ أي : المحيط بأوصاف الكمال لا سيما الآيات الدالة على يوم التناد فإنها أظهر الآيات ، وكذا الآيات الدالة على وجوده سبحانه وتعالى وعلى ما هو عليه من الصفات والأفعال وما يجوز عليه أو يستحيل بِغَيْرِ سُلْطانٍ أي : برهان أَتاهُمْ وقوله : كَبُرَ أي : جدالهم مَقْتاً خبر المبتدأ ويجوز في الذين أوجه أيضا منها : أنه بدل من قوله تعالى : مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ وإنما جمع اعتبارا بمعنى من ، ومنها : أن يكون بيانا له ، ومنها : أن يكون صفة له وجمع على معنى من أيضا ، ومنها أن ينصب بإضمار أعني ، وقال الزجاج قوله : الَّذِينَ يُجادِلُونَ تفسير لمسرف مرتاب يعني هم الذين يجادلون في آيات الله أي : في إبطالها بالتكذيب بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عِنْدَ اللَّهِ أي : الملك الأعظم وَ كبر مقتا أيضا عِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا أي : الذين هم خاصته ، ودلت الآية على أنه يجوز وصفه تعالى بأنه مقت بعض عباده إلا أنها صفة واجبة التأويل في حق الله تعالى كالغضب والحياء والعجب وقوله تعالى : كَذلِكَ أي : ومثل هذا الطبع العظيم يَطْبَعُ اللَّهُ أي : الذي له جميع العظمة يدل على أن الكل من عند الله كما هو مذهب أهل السنة عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ أي : متكلف ما ليس له وليس لأحد غير الله جَبَّارٍ أي : ظاهر الكبر قويه قهار . وقال مقاتل : الفرق بين المتكبر والجبار أن المتكبر عن قبول التوحيد والجبار في غير الحق ، قال الرازي : كما أن السعادة في أمرين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ، فعلى قول مقاتل المتكبر كالمضاد للتعظيم لأمر الله والجبار كالمضاد للشفقة على خلق الله ، وقرأ أبو عمرو وابن ذكوان : بتنوين الباء الموحدة ، ووصف القلب بالتكبر والتجبر لأنه منبعهما كقولهم : رأت عيني وسمعت أذني أو على حذف مضاف أي : على كل ذي قلب متكبر جبار فهي حينئذ مساوية لقراءة الباقين بغير تنوين . ثم إن فرعون عليه اللعنة أعرض عن جواب المؤمن لأنه لم يجد فيه مطعنا . وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ وهو وزيره ابْنِ وعرفه بشدة اهتمامه بالإضافة إليه في قوله لِي صَرْحاً أي : بناء مكشوفا عاليا لا يخفى على الناظر وإن بعد ، من صرح الشيء إذا ظهر لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أي : التي لا أسباب غيرها لعظمها ، وتعليله بالترجي الذي لا يكون إلا في الممكن دليل على أنه كان يلبس على قومه وهو يعرف الحق فإن عاقلا لا يعد ما رامه في عداد الممكن العادي . ولما كان بلوغها أمرا عظيما أورده على نمط مشوق إليه ليعطيه السامع حقه من الاهتمام تفخيما لشأنه ليتشوف السامع إلى بنائه بقوله : أَسْبابَ السَّماواتِ أي : الأمور الموصلة إليها وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب إليه ، وقرأ الكوفيون بسكون الياء والباقون بالفتح وقرأ فَأَطَّلِعَ حفص بنصب العين وفيه ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أنه جواب الأمر في قوله ابن لي فنصب بأن مضمرة بعد الفاء في جوابه على قاعدة البصريين كقوله « 1 » : يا ناق سيري عنقا فسيحا * إلى سليمان فنستريحا

--> ( 1 ) الرجز لأبي النجم في الدر 3 / 52 ، 4 / 79 ، والرد على النحاة ص 123 ، والكتاب 3 / 35 ، ولسان العرب ( نفخ ) ، ( عنق ) ، والمقاصد النحوية 4 / 387 ، وبلا نسبة في أوضح المسالك 4 / 182 ، ورصف المباني ص 381 ، وشرح ابن عقيل ص 570 ، وشرح قطر الندى ص 71 ، واللمع في العربية ص 210 .