الخطيب الشربيني
575
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
بكلام من أعطاه حقه وافيا فضلا عن أن يتعصب له ، وهذا أولى من قول أبي عبيدة وغيره أن بعض بمعنى كل ، وأنشد قول لبيد « 1 » : تراك أمكنة إذا لم أرضها * أو ترتبط بعض النفوس حمامها وأنشد أيضا قول عمرو بن سهم « 2 » : قد يدرك المتأني بعض حاجته * وقد يكون مع المستعجل الزلل وقال الآخر « 3 » : إن الأمور إذا الأحداث دبرها * دون الشيوخ ترى في بعضها خللا وقوله : إِنَّ اللَّهَ أي : الذي له مجامع العظمة لا يَهْدِي إلى ارتكاب ما ينفع واجتناب ما يضر مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ بإظهار الفساد وبتجاوز الحدود كَذَّابٌ فيه احتمالان ؛ أحدهما : أن هذا إشارة إلى الرمز والتعريض بعلو شأن موسى عليه السّلام ، والمعنى أن الله تعالى هدى موسى عليه السّلام إلى الإتيان بالمعجزات الباهرة ومن هداه الله تعالى إلى الإتيان بالمعجزات لا يكون مسرفا كذابا ، فدل على أن موسى عليه السّلام ليس من المسرفين الكذابين ، ثانيهما : أن يكون المراد أن فرعون مسرف في عزمه على قتل موسى عليه السّلام كذاب في ادعائه الإلهية والله تعالى لا يهدي من هذا شأنه وصفته بل يبطله ويهدم أمره . ولما استدل مؤمن آل فرعون على أنه لا يجوز قتل موسى عليه السّلام ، خوف فرعون وقومه ذلك العذاب الذي توعدهم به في قوله : يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ فقال : يا قَوْمِ وعبر بأسلوب الخطاب دون التكلم تصريحا بالمقصود فقال : لَكُمُ الْمُلْكُ ونبه على ما يعرفونه من تقلبات الدهر بقوله : الْيَوْمَ وأشار إلى ما عهدوه من الخذلان في بعض الأزمان بقوله : ظاهِرِينَ أي : عالين على بني إسرائيل وغيرهم ، وما زال أهل البلاء يتوقعون الرخاء وأهل الرخاء يتوقعون البلاء ونبه بقوله : فِي الْأَرْضِ أي : أرض مصر على الاحتياج ترهيبا لهم وعرفها لأنها كالأرض كلها لحسنها وجمعها المنافع ثم حذرهم من سخط الله تعالى فقال : فَمَنْ يَنْصُرُنا أي : أنا وأنتم أدرج نفسه فيهم عند ذكر الشر بعد إفراده لهم بالملك إبعادا للتهمة وحثا على قبول النصيحة . مِنْ بَأْسِ اللَّهِ أي : الذي له الملك كله إِنْ جاءَنا أي : غضبا لهذا الذي يدعي أنه أرسله فلا تفسدوا أمركم ولا تتعرضوا لبأس الله تعالى بقتله فإنه إن جاءنا لم يمنعنا منه أحد . ولما قال المؤمن هذا الكلام قالَ فِرْعَوْنُ أي : لقومه جوابا لما قاله هذا المؤمن : ما أُرِيكُمْ من الآراء إِلَّا ما أَرى أي : إنه صواب على قدر مبلغ علمي ولا أرى لكم إلا ما أرى
--> ( 1 ) البيت من الكامل ، وهو للبيد بن ربيعة في ديوانه ص 313 ، والخصائص 1 / 74 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 772 ، وشرح شواهد الشافية ص 415 ، والصاحبي في فقه اللغة ص 251 ، ومجالس ثعلب ص 63 ، والمحتسب 1 / 111 ، وبلا نسبة في خزانة الأدب 7 / 349 ، والخصائص 2 / 317 ، 341 . ( 2 ) البيت من البسيط ، وهو للقطامي في ديوانه ص 25 ، وجمهرة أشعار العرب 2 / 805 ، وديوان المعاني 1 / 124 ، وللأعشى في تخليص الشواهد ص 102 ، وخزانة الأدب 5 / 377 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( بعض ) ، ومجالس ثعلب ص 437 . ( 3 ) البيت من البسيط ، وهو بلا نسبة في الإنصاف 2 / 767 .