الخطيب الشربيني
566
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الجحيم وعذاب موقف يوم القيامة والسؤال والحساب ، فيكون تعميما بعد تخصيص وهذا أولى . وقال بعض المفسرين : إن الملائكة طلبوا إزالة عذاب النار عنهم بقولهم وقهم عذاب الجحيم ، وطلبوا إيصال الثواب إليهم بقولهم : وأدخلهم جنات عدن ، ثم طلبوا بعد ذلك أن يصونهم الله تعالى في الدنيا من العقائد الفاسدة بقولهم وقهم السيئات . وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر الميم والهاء ، وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم والباقون بكسر الهاء وضم الميم . ثم قالت الملائكة : وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ أي : جزاءها كلها يَوْمَئِذٍ أي : يوم تدخل فريقا الجنة وفريقا النار المسببة عن السيئات وهو يوم القيامة فَقَدْ رَحِمْتَهُ أي : الرحمة الكاملة التي لا يستحق غيرها معها أن يسمى رحمة فإن تمام النعيم لا يكون إلا بها لزوال التحاسد والتباغض والنجاة من النار باجتناب السيئات ولذلك قالوا : وَذلِكَ أي : الأمر العظيم جدا هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي : النعيم الذي لا ينقطع في جوار ملك لا تصل العقول إلى كنه عظمته وإجلاله هذا آخر دعاء الملائكة للمؤمنين ، قال مطرف : أنصح عباد الله تعالى للمؤمنين الملائكة وأغش الخلق للمؤمنين هم الشياطين . ثم إنه تعالى بعد أن ذكر أحوال المؤمنين عاد إلى ذكر أحوال الكافرين المجادلين في آيات الله تعالى وهم المذكورون في قوله تعالى : ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [ غافر : 4 ] فقال تعالى مستأنفا مؤكدا لإنكارهم آيات الله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي : أوقعوا الكفر ولو لحظة يُنادَوْنَ يوم القيامة وهم في النار وقد مقتوا أنفسهم حين عرض عليهم سيئاتهم وعاينوا العذاب فيقال لهم : لَمَقْتُ اللَّهِ أي : الملك الأعظم إياكم أَكْبَرُ والتقدير : لمقت الله لأنفسكم أكبر مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ فاستغنى بذكرها مرة وقوله تعالى : إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ منصوب بالمقت الأول والمعنى : أنه يقال لهم يوم القيامة : كان الله تعالى يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر حين كان يدعوكم إلى الإيمان فتأبون قبوله وتختارون عليه الكفر ، أشد ما تمقتونهن اليوم وأنتم في النار إذا وقعتم فيها باتباعكم هواهن . وذكروا في تفسير مقتهم أنفسهم وجوها ؛ أولها : أنهم إذا شاهدوا القيامة والجنة والنار مقتوا أنفسهم على إصرارهم على التكذيب بهذه الأشياء في الدنيا . ثانيها : أن الأتباع يشتد مقتهم للرؤساء الذين يدعونهم إلى الكفر في الدنيا ، والرؤساء أيضا يشتد مقتهم للأتباع فعبر عن مقت بعضهم بعضا بأنهم مقتوا أنفسهم كقوله تعالى : اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ النساء : 66 ] والمراد أن يقتل بعضكم بعضا . ثالثها : قال محمد بن كعب : إذا خطبهم إبليس وهو في النار بقوله : ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إلى قوله وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ [ إبراهيم : 22 ] ، ففي هذه الحالة مقتوا أنفسهم . وأما الذين ينادون الكفار بهذا الكلام فهم خزنة جهنم ، وعن الحسن : لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم فنودوا لمقت الله أكبر ، وقيل : معناه لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض كقوله تعالى : يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [ العنكبوت : 25 ] و إِذْ تُدْعَوْنَ تعليل ، والمقت : أشد البغض وذلك في حق الله تعالى محال فالمراد منه : أبلغ الإنكار وأشده ، وعن مجاهد : مقتوا أنفسهم حين رأوا أعمالهم ومقت الله تعالى إياهم في الدنيا ، إذ يدعون إلى الإيمان فيكفرون أكبر ، وقال الفراء : معناه : ينادون إن مقت الله يقال : ناديت أن زيدا قائم وناديت لزيد قائم ، وقرأ أبو عمرو وهشام وحمزة والكسائي بإدغام الذال في التاء والباقون بالإظهار .