الخطيب الشربيني
56
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
مخالفة أمر الله تعالى ورسوله عليه السّلام ، وفي ذلك تسلية للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلم لأنه قد يغتم بتكذيب قومه مع ظهور المعجزات عليه فنبه الله تعالى بهذا الذكر على أنّ له أسوة بموسى وغيره وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ أي : أهل مصر الذين شاهدوها والذين وعظوا بسماعها مُؤْمِنِينَ أي : متصفين بالإيمان الثابت ، أما القبط فما آمن منهم إلا السحرة ومؤمن آل فرعون وامرأة فرعون والمرأة التي دلتهم على عظام يوسف عليه السّلام ، وأما بنو إسرائيل فكان كثير منهم متزلزلا يتعنت كل قليل ويقول ويفعل ما هو كفر حتى تداركهم الله تعالى على يدي موسى عليه السّلام ومن بعده ، وأول ما كان من ذلك سؤالهم إثر مجاوزة البحر أن يجعل لهم إلها كالأصنام التي مرّوا عليها ، وأمّا غيرهم ممن تأخر عنهم فحالهم معروف وأمرهم مشاهد مكشوف فقد سألوه بقرة يعبدونها واتخذوا العجل وطلبوا رؤية الله جهرة . وَإِنَّ رَبَّكَ أي : المحسن إليك بإعلاء أمرك واستنقاذ الناس من ظلام الجهل على يدك لَهُوَ الْعَزِيزُ أي : القادر على الانتقام من كل فاجر الرَّحِيمُ بعباده لأنه تعالى أفاض عليهم نعمه وكان قادرا على أن يهلكهم ، فدل ذلك على كمال رحمته وسعة جوده وفضله . ولما أتم سبحانه وتعالى ما أراد من قصة موسى عليه السّلام ليعرف محمدا صلّى اللّه عليه وسلم أن تلك المحن التي أصابته كانت حاصلة لموسى ، أتبعه دلالة على رحمته وزيادة في تسلية نبيه قصة إبراهيم عليه السّلام وهي القصة الثانية بقوله تعالى : وَاتْلُ أي : اقرأ قراءة متتابعة يا أشرف الخلق عَلَيْهِمْ أي : كفار مكة وقوله تعالى : نَبَأَ أي : خبر إِبْراهِيمَ قراءة نافع وابن كثر وأبو عمرو في الوصل بتسهيل الهمزة الثانية ، وحققها الباقون ، وفي الابتداء بالثانية الجميع يحققون ويبدل منه . إِذْ أي : حين قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ منبها لهم على ضلالهم لا مستعلما لأنه كان عالما بحقيقة حالهم ولكنه سألهم بقوله : ما أي : أي شيء تَعْبُدُونَ أي : تواطئون على عبادته ليريهم أن ما يعبدونه ليس من استحقاق العبادة في شيء كما تقول للتاجر ما مالك وأنت تعلم أن ماله الرقيق ، ثم تقول الرقيق جمال وليس بمال . قالُوا في جوابه نَعْبُدُ أَصْناماً ، فإن قيل : قوله عليه السّلام ما تبعدون سؤال عن المعبود فحسب ، فكان القياس أن يقولوا أصناما كقوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [ البقرة : 219 ] وكذا قوله تعالى : ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ [ سبأ : 23 ] وكقوله تعالى : ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً [ النحل : 30 ] أجيب : بأنّ هؤلاء قد أجابوا بقصة أمرهم كاملة كالمبتهجين بها والمفتخرين فاشتملت على جواب إبراهيم عليه السّلام وعلى ما قصدوه من إظهار ما في نفوسهم من الابتهاج والافتخار ، ألا تراهم كيف عطفوا على قولهم : نعبد فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ ولم يقتصروا على زيادة نعبد وحده ، ومثاله أن تقول لبعض الشطار ما تلبس في بلادك فيقول : ألبس البرد الأتحمي فأجر ذيله بين جواري الحيّ ، وإنما قالوا نظل لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل ، يقال ظلّ يفعل كذا إذا فعل بالنهار ، والعكوف : الإقامة على الشيء . ثم إن إبراهيم عليه السّلام . قالَ منبها على فساد مذهبهم هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ أي : يسمعون دعاءكم أو يسمعونكم تدعون فحذف ذلك لدلالة إِذْ أي : حين تَدْعُونَ عليه ، فعلى الأول : هي متعدّية لواحد اتفاقا ، وعلى الثاني : هي متعدية لاثنين قامت الجملة المقدرة مقام الثاني وهو قول الفارسيّ ، وعند غيره الجملة المقدرة حال ، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار