الخطيب الشربيني

555

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

فَصَعِقَ أي : مات مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ واختلف فيمن استثنى الله تعالى بقوله سبحانه : إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ فقال الحسن : هو الله وحده وقال ابن عباس : جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام ، ثم يميت الله تعالى ميكائيل وإسرافيل وجبريل وملك الموت ، وقيل : حملة العرش ، وقيل : الحور والولدان ، وقيل : الشهداء لقوله تعالى : بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [ آل عمران : 169 ] وروى أبو هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش » « 1 » . وقال جابر : هو موسى عليه السّلام لأنه صعق فلا يصعق ثانيا وقال قتادة : الله أعلم بهم وليس في القرآن والأخبار ما يدل على أنهم من هم وهذا أسلم ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أي : في الصور نفخة أُخْرى أي : نفخة ثانية فَإِذا هُمْ أي : جميع الخلائق الموتى قِيامٌ أي : قائمون يَنْظُرُونَ أي : يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب جسيم ، وقيل : ينتظرون أمر الله تعالى فيهم وهذا يدل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولى لأن لفظة ثم للتراخي ، وروى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه : أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قال : « ما بين النفختين أربعون قالوا : أربعون يوما ، قال أبو هريرة : أبيت ، قالوا : أربعون شهرا ، قال : أبيت ، قالوا : أربعون سنة ، قال : أبيت ، قال : ثم ينزل الله تعالى من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة » « 2 » وقوله تعالى : فَإِذا هُمْ يدل على أن قيامهم يحصل عقب هذه النفخة الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء تدل على التعقيب . ولما ذكر تعالى إقامتهم بالحياة التي هي نور البدن أتبعه بنور أرض القيامة فقال : وَأَشْرَقَتِ أي : أضاءت إضاءة عظيمة مالت بها إلى الحمرة الْأَرْضُ أي : التي أوجدت لحشرهم وليست بأرضنا الآن لقوله تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ [ إبراهيم : 48 ] . بِنُورِ رَبِّها أي : خالقها وذلك حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه قال صلّى اللّه عليه وسلم : « سترون ربكم » « 3 » وقال : « كما لا تضارون في الشمس في يوم الصحو » « 4 » وقال الحسن والسدي : بعدل ربها . وَوُضِعَ الْكِتابُ أي : كتاب الأعمال للحساب لقوله تعالى : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً [ الإسراء : 13 ] وقوله تعالى : ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها [ الكهف : 49 ] وقيل : الكتاب اللوح المحفوظ تقابل به الصحف ، وقيل : الكتاب الذي أنزل إلى كل أمة تعمل به ، واقتصر على هذا البقاعي . وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ أي : للشهادة على أممهم واختلف في قوله تعالى : وَالشُّهَداءِ فقال ابن عباس : يعني الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة وهم : محمد صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه لقوله تعالى : جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [ البقرة : 143 ] وقال عطاء ومقاتل : يعني الحفظة لقوله تعالى : وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ [ ق : 21 ] وقيل : هم المستشهدون في سبيل الله .

--> ( 1 ) أخرجه ابن حجر في المطالب العالية 3721 . ( 2 ) أخرجه البخاري في تفسير القرآن حديث 4935 ، ومسلم في الفتن حديث 2955 . ( 3 ) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة حديث 554 ، ومسلم في المساجد حديث 633 ، وأبو داود في السنة حديث 4729 . ( 4 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 183 .