الخطيب الشربيني
544
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 52 إلى 56 ] أَ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 52 ) قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 53 ) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ( 54 ) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ( 55 ) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ( 56 ) قُلِ اللَّهُمَّ أي : يا الله فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي : مبدعهما من العدم أي : ألتجىء إلى الله تعالى بالدعاء لما تحيرت في أمرهم وعجزت في عنادهم وشدة شكيمتهم فإنه القادر على الأشياء والعالم بالأحوال كلها عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وصف تعالى نفسه بكمال القدرة وكمال العلم أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أي : من أمر الدين وعن الربيع بن خثيم وكان قليل الكلام لما أخبر بقتل الحسين وسخط على قاتله وقالوا : الآن يتكلم فما زاد على أن قال : آه أوقد فعلوا وقرأ الآية ، وروي أنه قال على أثرها : أو قتل من كان يجلسه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم في حجره ويضع فاه على فيه . وعن أبي سلمة قال : « سئلت عائشة رضي الله عنها بم كان يفتتح رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم صلاته بالليل قالت : كان يقول : اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم » « 1 » . ولما حكى الله تعالى عنهم هذا المذهب الباطل ذكر في وعيدهم أشياء . أولها : قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالكفر ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً أي : من الأموال وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا أي : اجتهدوا في طلب أن يفدوا أنفسهم بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وهذا وعيد شديد وإقناط كلي لهم من الخلاص روى الشيخان عن أنس : « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابا لو أن لك ما في الأرض من شيء لكنت تفتدي به فيقول : نعم فيقول الله : قد أردت منك وفي رواية سألتك أهون من هذا وأنت في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي شيئا » « 2 » قوله أردت أي : فعلت معك فعل الآمر المريد وهو معنى قوله في رواية قد سألتك . ثانيها : قوله تعالى : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ أي : الملك الأعظم ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ أي : ظهر لهم أنواع من العذاب لم تكن في حسابهم وفي هذا زيادة مبالغة هو نظير قوله تعالى في الوعد فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [ السجدة : 17 ] وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » « 3 » . وقال مقاتل : ظهر لهم حين بعثوا ما لم يحتسبوا في
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في المسافرين حديث 770 ، وأبو داود في الصلاة حديث 767 ، والترمذي في الدعوات حديث 3420 ، والنسائي في قيام الليل حديث 1625 . ( 2 ) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء حديث 3334 ، وأحمد في المسند 3 / 127 ، 129 . ( 3 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في التوحيد باب 35 ، وبدء الخلق باب 8 ، وتفسير سورة 32 ، باب 1 ، ومسلم في الإيمان حديث 312 ، والجنة حديث 2 - 5 ، والترمذي في الجنة باب 15 ، وتفسير سورة 32 ، باب 2 ، وسورة 56 ، باب 1 ، وابن ماجة في الزهد باب 39 ، والدارمي -